الجمعة، مارس 30، 2012

سامي حرك يكتب : الملك العقرب


إذا كنا نتكلم عن الملك العقرب, فإن حفائر البعثة الفرنسية, المنشور بعض نتائجها في أفلام الجزيرة الوثائقية, والقناة الثانية الفرنسية, على موقع اليوتيوب, تشير إلى أنه ملكٌ من الجنوب, "طيبة" في الغالب, قام بعدة بحملات على الشمال, إنتهت إلى توحيد البلاد, من البحر المتوسط شمالًا, وحتى الشلال الثالث جنوبًا, وكان ذلك في العام 4500 ق.م, على الأقل, رغم وجود شواهد أثرية حللت تاريخ صناعة ونقوش الأواني والأدوات الشخصية للملك العقرب, بتاريخ لا يقل عن منتصف الألف الخامسة قبل الميلاد, ومعروف أن إزدهار الصناعة ومظاهر الرفاهية الملكية تبدأ غالبًا بعد إستقرار الأمور السياسية, أي أن عملية التوحيد الثاني نفسها, لابد أنها حدثت قبل ذلك.

أما وصفنا لما قام به الملك العقرب, باعتباره "التوحيد الثاني", فذلك لأنه وحد البلاد , الشمال والجنوب, في دولة واحدة, إستمرت كحكومة مركزية لمدة لا تقل عن 700 عام, وقد سُجل بجوار معروضات هذا الملك في متحف أكسفورد, أسماء لعدد 15 ملك من خلفائه في تلك الدولة الموحدة.

وهو التوحيد الثاني, الثابت أثريًا, بينما كان "التوحيد الأول" في عهد أوزير"من الشمال,  وخليفته "حور" الثابت أسطوريًا, حسب أشهر أساطير مصر القديمة, وهي أسطورة إيزيس وأوزيرس, ويخضع تقدير زمن "التوحيد الأول" للتخمين, أكثر من الأدلة الأثرية أو التاريخية, وكانت "أبكار السقاف" تقدره بالألف السابعة قبل الميلاد, حيث وصفت الكاتبة في "الدين في مصر القديمة" حكايات أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس وحورس, باعتبارها أحداثًا حقيقية جرت وقائعها بين عدد من شخصيات ما قبل التاريخ, والتي حولها الشعور الشعبي بعد ذلك إلى رموز أسطورية!

أما "التوحيد الثالث" والأخير, المستمر حتى الآن, فقد قام به الملك "مينا" القادم من الجنوب أيضًا, عام 3200 ق.م, ويظهر حجر باليرمو إحتفال العديد من ملوك مصر القديمة بتلك المناسبة مدمجة مع أعياد الجلوس على العرش في تاريخ مكرر يقع في يوم 21 من شهر بابَه, وهو "عيد توحيد القطرين".

الصورة المرفقة,



هي إحدى آثار الملك العقرب, المحفوظة في متحف أكسفورد, وتوضح نقوشها, توصل قدماء المصريين للكتابة الصورية, بداية من ذلك التاريخ, على الأقل, وتعتبر هذه ضمن أقدم الوثائق المصرية الدالة على إكتشاف حروف لكتابة اللغة المصرية القديمة, وليست صلاية الملك مينا, كما هو الخطأ الشائع, سواء بحُسن أو بسوء نية.

إن الإعتراف بتلك الحقائق الأثرية, ربما يصحح كثير من الأخطاء التاريخية, سواء للإعتراف بـ"التوحيد الثاني" الذي يدعم نظرية التطور الطبيعي للتاريخ المصري, سواء في نشوء الدولة المركزية نتيجة تجارب ومحاولات جادة وحقيقية, أو غير ذلك من أمور مصر القديمة المعمارية والطبية والأدبية والدينية, وكذلك تطور الكتابة في العالم, حيث ينتهي الجدل حول الأسبق بإختراع الكتابة نفسها, ويتأكد أن تطور طرق الكتابة قد بدأ بالصورة, ثم إنتقل إلى غيرها من الوسائل البسيطة, وليس العكس, فذلك هو الأقرب للمنطق, حيث عبَّر الإنسان القديم عن لغته بالصورة من الواقع, ومع تطور الحياة ومرور الأيام إنتهى إلى إختزال الصور إلى خطوط أو حتى نقط, كما في المسماريات.

بالنسبة لمن يؤمنون بنظرية "الكِنانة" "الحضَّانة"كـ"بريستيد" و"نوبلكور" و"محسن لطفي السيد", فإن الأمور كانت واضحة لديهم إلى درجة اليقين بأن كافة المظاهر الحضارية, بدأت في مصر, ثم إنتشرت منها بوسائل مختلفة, لكن تأتي الكشوف الأثرية كل يوم بما يدعم تلك النظرية, التي يجب على المصريين أن يكونوا أول من يؤمن بها ويروج لها, إنحيازًا للعلم والمنطق قبل أي شئ آخر.

هناك تعليق واحد:

  1. تذهب البعثة الفرنسية بزمن الملك العقرب, ومحاولته التوحيدية لألف سنة على الأقل قبل توحيد القطرين على يد مينا, والعجيب أن تلك الآراء الحديثة جاءت مرادفة لرأي مؤسس علم آثار ما قبل الأسرات "ويليام فلندرز بيتري", الذي قال سنة 1940 بأن مكتشفات الملك العقرب تنتمي لحضارة البداري سنة 4500 قبل الميلاد.

    ردحذف