السبت، مايو 25، 2013

محمد نبيل جامع يكتب: الإرهاب والكَبسة وشرعية الذل والإذلال

صيبت مصر بالسعار اللاديني. وأين؟ في بقعتها المقدسة بصورة أساسية، أرض سيناء الطاهرة. هل هذا هو ما كنا ننتظره من "الإسلام السياسي" الذي بشرونا به... ؟ أجب أيها "الإسلامي السياسي" ... أجب يا من تظن نفسك راعيَ الإسلام في أرض الله ... أجب أيها "الإسلامي السياسي" وأنت تجلس في الصف الأول في صلاة الصبح منتظرا الإقامة في سكينة بيت من بيوت الله الرحمن الرحيم،  وأنت تصلي على المبعوث رحمة للعالمين... الجاهلُ معذورٌ.. أما أنت يا من تدعي العلم وقد حصلت على الشهادات العلا فما ظنك بما آل إليه هذا الفكر المنحرف وتلك الإيديولوجية المتخلفة.
ذكرني حوار الدكتور البرادعي مع شريف عامر الأمس بما قلته بعد الثورة مباشرة مناديا "الإسلاميين السياسيين"، بعد أن أجرم المجلس العسكري في إنشاء أحزاب دينية في وقت حرج، بأن يؤجل الإسلاميون تقدمهم للرئاسة إلى أن تبنى الدولة الحديثة بناءً يتحمل المشاركة السياسية لجميع الأطياف، ولكن حدث ما حدث.
ماذا أثمرت شجرة "الإسلام السياسي"؟ هل أثمرت كلمة طيبة؟ أثمرت إرهابا وشيوخا أرباع متعلمين يجيدون التكفير والسباب والزواج المتعدد والتربع على موائد الكبسة واللحوم. أثمرت مجتمعا تسوده دولة فاشية أجهزت على العدل، وحطمت القانون، وأرهبت الشعب، وتلاعبت بالجيش، خلقت مشكلة المشاكل، صراع العقائد والمذاهب والطوائف، خلقت شرعية مبنية على الذل لأمريكا وإسرائيل ومحاولة الإذلال لشعب وجيش عظيمين، خلقت رئيسا ينفر منه مستشاروه لأنه فاقد الإرادة الشخصية تابع لمن وضعوه على كرسي العرش، خاضع لمن أنقذوه من زنازن الحبس والاعتقال لتهمة التخابر، سُرِقت إرادة المصريين بأخونة المراكز المفصلية في بناء "الدولة"، خلقت عظاما هشة لمجتمع كاد أن يصل إلى مرحلة الانهيار التام، خلقت مرة أخرى جيشا غاضبا مترددا ما بين تجنب العنف من ناحية وحماية الأمن القومي الذي ينحدر سريعا من ناحية أخرى، ثم أخيرا خلقت شرطة يقودها أمين "إخواني" تمكن من تحييد هذه المؤسسة الوطنية الخطيرة وهو لا يعلم أن رجال الشرطة مصريون شرفاء محترفون غير أيديولوجيين ولكنهم صابرون صبر الشعب على رئاسته.
هل يتوقع الرئيس مرسي أن الشعب سينسى كل ذلك ويحتفل بإطلاق سراح الجنود السبعة البارحة مقابل الإفراج أولا عن 18 شخصا محتجزين بتهم الإرهاب حيث أكدت المصادر الأمنية في سيناء أسماء بعض هؤلاء مشيرين إلى أن كرم زهدي القيادي الإخواني هو الذي كان حلقة الوصل بين القيادات والخاطفين المجرمين.
لقد سقط قناع "الإسلام السياسي"، وتبين أنه سعي للسلطة باسم شعار "الإسلام" الذي يروق للناس وخاصة البسطاء منهم، الذين يتشربون كلام الشيوخ أرباع العلماء الذين يتميزون بصورة خاصة بمخالفة القواعد النحوية عن جهل لها قبل مخالفتهم للفقه الإسلامي الرشيد. يتشرب البسطاء كلام الشيوخ كما لو كان قرآنا منزلا أو سنة محكمة، والنتيجة هي الإرهاب الأعمى الذي يعاني العالم منه الآن.
مر عام الآن تقريبا على حكم "الإسلام السياسي"، فماذا رأينا من تطبيق الشريعة؟ ثم ماذا يريدون أن يطبقوه من الشريعة ليس مطبقا الآن؟ الحدود؟ منع الخمور في مصر؟ القضاء الشرعي؟ العسس؟ زواج القاصرات؟ الإماء؟ تفقهوا أولا ثم طبقوا ما شئتم.
"الإسلاميون السياسيون" ببرود مدهش، وغرور كاذب، بدأ كثير منهم ينسى الشرع والشريعة ويتحدث في السياسة قائلا "هذه هي السياسة" مبررا عدم الاعتراف بالأخطاء الوطنية القاتلة والمخالفات الشرعية الجسيمة ومعترفين لارتكابهم عن عمد لقاذورات السياسة وخداعها لمن يريد أن يكون "سياسيا" لا "رجل دولة"، ناسين تماما أن "شرف الغاية من نبل الوسيلة"، ومعتنقين تماما لمبادئ "التقية" أو "الإيهام" أو "الغاية تبرر الوسيلة". هذا المنطق اللاأخلاقي قد أدى بهم إلى التآمر مع الشيطان داخليا وخارجيا، وعدم الوفاء بعهود الله، (فيرمونت) ، ونقض الأيمان المؤكدة (أمام الدستورية وجامعة القاهرة وميدان التحرير)، ومخالفة الدستور، والإجهاز على القضاء، وملاحقة الأحرار من الإعلاميين وشباب الثورة، والتفريط في أمانة الحكم العادل بإهمال المرضى والجوعى والمشردين، وإهدار الموارد والتخريب الاقتصادي، وحماية الإرهاب والتفريط في الأمن الوطني وأمن المواطن.
النتيجة الطبيعية: هي التمرد، وكيف لا؟ هل نسيتم أيه الحاكمون أن المصريين قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ هل نسيتم يا أهل "الإسلام السياسي" أن من أعظم (أفضل) الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر؟". الصبر له حدود، وتحمل الحماقة له حدود، والانتماء الأعمى له حدود. مصر كلها ستتمرد على حكم استبدادي لا ديني لا وطني، على حكام نامت ضمائرهم، وغابت تقواهم، فما عادوا يرون إلا ملكا دنيويا عسى الله أن يجعله سرابا، ومن يدري فالله غالب على أمره حيث يقول سبحانه "وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون، قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين."

السبت، مايو 11، 2013

محمد نبيل جامع: السًرْدارَة باترسون وفزورة جبهة الإنقاذ

أبدأ هذا المقال ببرقية سريعة للسيدة آن بارترسون، صاحبة المهمة المستحيلة "تدمير مصر المحروسة"، وتحويلها لتل خرابة يجلس على قمته دمية أمريكا الجديدة "تيار الإسلام السياسي"، مع الاعتذار لكلمة "الإسلام".
أقول لتلك الـ باترسون: مصر، قاهرتك إن شاء الله، هي مروضة الحضارات، قاهرة الغزاة، نور الدنيا على مر العصور، شعبها جسد واحد، أهلها في رباط. أبلغي الفتى أوباما أن الخلود هو مصر، وأن الحضارة هي مصر، فليبحث لنفسه عن حارة يلعب فيها هو وأذياله."
عوداً للمهم. شاب يحمل درجة الدكتوراه في علم السياسة، ظهر منذ فترة وجيزة ولمع بسرعة هائلة مبهرا الجميع، وكنت منهم، بعلمه وإشاراته، وانخرط في الإعلام والسياسة حتى أصبح بجانب العلم السياسي، مذيعا، ومقدم برامج، وصاحب برامج، وعضوا في اللجنة التأسيسية، أو مراقبا لا أتذكر، ومستشارا سياسيا، وعضوا بالتيار الرئيسي (تيار جميع الخطوط)، وشيئا آخر يتعلق بالحكمة، لدرجة أن البعض يرشحه رئيسا للجمهورية، وحدث ولا حرج. كل هذا، وعيني عليه باردة، وهو لا يزال ربما في أواخر الثلاثينات من عمره.
بالتأكيد ستعرفون هذا العالم عندما أقول لكم إحدى مقولاته الشائعة، وهي "اللهم ارزق إسرائيل بنخبة مثل النخبة المصرية"، وهو بذلك يتمنى خراب إسرائيل ودمارها! الرجل صديق لكل القنوات وخاصة الجزيرة، وله قدرة هائلة على التعايش مع كل الأجواء السياسية والاجتماعية.، له طريقة عمرو موسى ذات الوجهين في التعبير عن رأيه، لكنه قاطع في الرأي عندما يأتي الأمر إلى النخبة. لا حظ أن مركز هذه النخبة هو جبهة الإنقاذ، وهنا تستطيع أن تستنتج رأيه في تلك الجبهة. وهنا أيضا أود أن أوجه له ولكل من يثقون في علمه تلك الخواطر الوطنية التالية:
1.    هل تصر أيه الشاب النابه على أن النخبة هي سر الخراب في مصر وفيها سيادتك أولا، ثم عماد الدين أديب، ثم حسنين هيكل، ووائل قنديل، وفهمي هويدي، وحسن نافعة، وسيف الدين عبد الفتاح، ومحمد محسوب، وعمرو الليثي، وأحمد الصاوي، وأمثالهم كثيييييييير؟
2.    ألم تعلم أيها الشاب النابه أن النخبة هي خلاصة المجتمع، وخير ما فيه؟ إذا كانت النخبة هي سر الخراب في تقديرك، فما بالك بالشعب المصري نفسه؟ إذا كانت النخبة كذلك، فلابد أن يكون الشعب المصري في نظرك هو "الخراب نفسه والحثالة بعينها". رحمك الله يا مصطفى كامل وأبقى مقولتك الخالدة "لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا".
3.    المثقف الحق، أيها الشاب النابه، كمثل رجل الدولة في عالم السياسة، له رسالة واضحة وموقف واضح ينم عن رؤية شاملة عميقة ويسعى لتحقيق تلك الرسالة. هو شخص ذو مبادئ لا يتلون، ثم هو شخص مبدع أيضا. بجانب نصائحك في البناء المؤسسي و.... و.... وغير ذلك مما يُحْفظ في الكتب، هل تستطيع أن تأخذ موقفا محددا واضحا مثل "خلع الإخوان، وإنهاء حكمهم" دون الانتظار لكي يكملوا خراب البلد واغتصابها لأنفسهم وبيعها لأعداء مصر؟ ثم هل تستطيع أن تبتكر حلولا إبداعية كتلك التي يبتكرها شباب مصر الوطني العظيم، وآخر ذلك حركة "تمرد"، وحركة "الإخوان جوعونا"؟
4.    المثل الشعبي الحكيم يقول "مش قادر على الحمار بيشد في البردعة"، الشعب المصري البائس "كفر" بحكم الإخوان، وعجز عن مواجهته فوريا، فانصرف يسب ويلعن كل شيء بما فيه جبهة الإنقاذ لعجزه عن مواجهة الإخوان. هل يليق بسيادتك أيها الشاب النابه أن تتمثل بالشعب المصري الذي بالضرورة في رأيك ينحط في ثقافته عن نخبته التي تستهزئ بها؟
5.    تتساءل أيها الشاب النابه عن البديل في جبهة الإنقاذ، سواءً من ناحية الحلول أو الأشخاص. من ناحية الحلول ألم تقرأ برنامج حمدين صباحي الانتخابي أو قرارات المؤتمر الاقتصادي للتيار الشعبي؟ في كل منهما الحلول، وفي غيرهما أيضا. الحلول موجودة، وإن كنت لا تعلمها فهذه مشكلتك. أما من ناحية الأشخاص، فهل تعجز جبهة الإنقاذ عن تقديم بدائل لمحمد مرسي أو لأعظم "جهبذ" في الإخوان والمتسلفة؟ بصراحة، أي بديل من أي مكان أفضل منهم ألف مرة.
6.    أنت أيها الشاب النابه تنضم إلى فئة "الإصلاحيين". ودعني أحسن الظن بهم، ولكن دعني أجادلكم بالمنطق. الإصلاحي يستمر في تصليح سيارته، ويعطيها فرصة، إلى أن يكفر بها فيبيعها بالطريقة الثورية، أي "يِخْلص منها". الإخوان يديرون البلد ليس بالإصلاح ولكن بالضربات القاضية "الثورية اللاأخلاقية"، مثل طريقة إقالة المشير وعنان، الإعلان الدستوري الدكتاتوري، مذبحة الاتحادية، مذبحة القانون والقضاء، وكل إنجازاتهم بالعافية والخداع والخيانة ودون خجل. هل هؤلاء يصلح معهم الإصلاح؟ لا يفل الحديد إلا الحديد. لا يمكنك أن تلعب في حلبة الملاكمة بالمنطق والإقناع وتتحمل الضرب والعجن إلى ما لا نهاية. تعترض على المنهج الثوري لأنه ثورة على الثورة، ثم نعيد ثورة على ثورة؟ نعم نقوم بالثورات إلى أن تأتي ثورة تحترم مطالب الشعب وأهدافه وتعمل على تحقيقها.
7.     أما أنت يا جبهة الإنقاذ فأنت الشعب، ونحن معك. أعلم أنك أيتها الجبهة الصامدة شديدة الوثوق في نفسك، ولا تحتاجين لمن يشجعك لأنك على الحق. فلينضم إليك من يريد الخير لمصر "فِلاً" كان أو "إخوانيا" أو "متسلفا" أو حتى شيعيا، فمن آمن بمصر وثورتها الحبيبة وشعبها الصابر فقد "جب" إيمانه كل ما قبله. بارك الله في شعب مصر، ونخبة مصر، وجيش مصر، وقضاة مصر، وشرطة مصر، وشباب مصر، الطليعة الثورية، صاحبة الفضل في الدنيا وصاحبة الدرجات العلا في الجنة إن شاء الله.

الاثنين، مايو 06، 2013

محمد نبيل جامع يكتب: المشروع الإسلامي الحق، والمشروع الإسلامي السياسي الباطل

في هذا اليوم، الخامس من مايو 2013، أبدأ بسم الله بتهنئة إخواني المسيحيين وأخواتي المسيحيات بعيد القيامة المجيد، أعاده الله علينا وعلى مصر بالخير والسلام والتقدم والارتقاء.
 بالرغم من طول هذا المقال، إلا إنه مغامرة جادة لاختصار شديد لقارئ غير متفرغ لموضوع لا يليق الحديث عنه إلا في مساحة كتاب، أو كتيب خاص على الأقل، وذلك من أجل مواجهة المصيبة السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية التي حطت علينا بمجيء حكم أقوام يسمون أنفسهم بـ "الاسلاميين السياسيين"، وهو حكم من الإسلام براء.
قرأت آخر مقال للحبيب إبراهيم عيسى حول حلمه الذي حُشِرَت فيه رجله في قضيب قطار، وفزع من نومه قبل أن يكتشف موقفه مع القطار القادم. وأنا أقول لكم، لماذا ألاحظ بعد حكم الإخوان أن نعيق الغربان في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر قد حل محل ضواع الكروان الذي كان يسحرنا بتسبيحه من قبل حتى أثناء فترة حكم المجلس العسكري؟ هذا وأتساءل أيضا لماذا كان عمى المرحوم وجدي جامع عندما يسمع نعيب البوم في قريتنا في أربعينات القرن الماضي يسحب البندقية الخرطوش ولا يعود إلا بجسد تلك البوم، هذا مع العلم بأن الغراب والكروان والبوم لكل منها جماله الخاص.
هل هذه خرافات أم أنها واقع فعلي حقيقي؟ هي خرافات واقعية. لم يتوقف الإنسان عن السؤال يوما: لماذا خلقت؟ الناس ينتحرون يوميا في أرجاء العالم لأنهم لا يجدون إجابة شافية لهذا السؤال تجعلهم يصبرون ويتمسكون بحياتهم ويحققون الغرض منها.
رحمة من الله سبحانه وتعالى، وتفاديا لتلك الحيرة الإنسانية، ومواجهة لتلك الخرافات السائدة، أمد الله سبحانه وتعالى مخلوقه المكرم، ذلك الإنسان، بالإجابة الشافية، ألا وهي عبادته سبحانه وتعالى من خلال ابتلاء الخلق، حتى يفشل من يفشل فيحاسبه المولى سبحانه وتعالى، وينجح من ينجح فيدخل الجنة برحمة الله، تلك الجنة التي بها من المتع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. رعانا الله جميعا برحمته وربوبيته، وأمدنا سبحانه بالعقل والقلب والروح والمشاعر والوجدان والجسد وغير ذلك من أدوات العمل في هذا الاختبار ما لا نعلمه وما لا ندركه.
دعنا من آدم ونوح ومن تلاهما في عهد ما قبل المسجل من التاريخ، ولنبدأ من موسى وأول الكتب السماوية المقدسة. فمنذ حوالي ثلاثة آلاف عام استغل الرهبان اليهود الاختراع البشري الجديد وهو كتابة الحروف وتمكنوا من حفظ أول كتاب مقدس مفصل يسجل التوحيد ووحدانية الخالق الواحد لهذا الكون. وقد نجح الرهبان في استخدام المعجزات في توحيد الناس تحت عقيدة واحدة تم ترجمتها في مجموعة من القيم والقوانين. وأصبح الرهبان بذلك حماةً للقانون ومراقبين له، حتى أن الملوك أنفسهم كانوا يحاسبون بناءً عليه شأنهم في ذلك شأن العامة المحكومين.
أما الإغريق فقد فشلوا في إقامة دين التوحيد أمام مجموعة آلهتهم الأنانية المتنافسة، ومن ثم فلم يتمكن الإغريق من إقامة الفضيلة الدينية السماوية، فاستمرت العبودية كمؤسسة عادية، واستمر الحرب بين المدن الإغريقية والاعتماد على القوة العسكرية لمواجهة الأطماع الحياتية. وفي ظل هذا التردي الأخلاقي تمكن الفلاسفة والمفكرون الإغريق من ممارسة العلم والفلسفة. وظل الإغريق بالرغم من أفلاطون وأرسطو اللذين دَعَوَا إلى الفضيلة عَمُونَ عن الإيمان الديني، وظلوا في شك دائم رافضين لأي قيم أو حقائق كونية. هذا واستمر الرومان في إرث هذا الفشل الديني والأخلاقي، واستمر حكمهم يحكمه الإرهاب والفساد بإمرة جنرالات جشعين وجيوش لم تعرف إلا الاغتصاب والسلب والنهب والقتل لدرجة القضاء الكامل على سكان بعض المناطق. واستمرت العبودية قائمة، كما استمرت إقامة حفلات التسلية للجماهير العطشى للدماء من خلال ذبح الضحايا البشرية.
وفي الوقت الذي كان يسيطر فيه الرومان على اليهود، جاء المسيح عليه السلام معتمدا على المبادئ الدينية اليهودية القديمة الناجحة مستدمجة مع الفلسفة الأخلاقية الحديثة، وبدأت العقيدة المسيحية في النمو اعتمادا على أن الله سبحانه وتعالى قد ظهر على الأرض في صورة إنسان ليُعْلم الناسَ الحق من الضلال والخطأ من الصواب. وقد كانت المسيحية منتشرة بصورة خاصة بين الفقراء لتعاليمها التي تؤكد أن الناس سواء أمام الله، والتي أراحت الناس بآمال السعادة بعد الموت. وفي عام 306 بعد الميلاد قامت حرب أهلية انتهت بسيطرة المسيحية على القارة الأوروبية. ولكن لسوء الحظ، ونظرا لانتشار الخرافات الواحدة تلو الأخرى، اندثرت مرة أخرى القيم المسيحية المتعلقة بالسلام والمحبة والفضيلة، واعتبرت الفلسفة والعلوم اليونانية هرقطة، وأعيد اضطهاد المفكرين الأحرار، وحرقت مكتباتهم، وعادت أوروبا لتغرق مرة أخرى في عصر الظلمات لمدة ألف عام تقريبا.
وبالرغم من تواجد المسيحية في جزيرة العرب إلا أن القبائل العربية ظلت في ممارسة الحروب والغزوات والتناحر سعيا وراء الموارد الصحراوية المحدودة. وهنا أُرسل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليعيد مكارم الأخلاق ويتممها. وتمت وحدة جزيرة العرب، بل وأقيمت الإمبراطورية الإسلامية بسرعة خارقة، وتوحد العرب والفرس والأتراك تحت الراية الإسلامية. وخلال ذلك سقطت الخلافة العباسية وتدهورت الإمبراطورية الإسلامية لفترة قصيرة استعادت بعدها الخلافة العثمانية قوتها مرة ثانية واستمرت حوالي ستة قرون إلي انتهت تماما 1924م.
وهنا يجب أن نلاحظ أن الصراع السياسي والانقسامات والحروب بين القوى الإسلامية هي التي كانت وراء تدهورها. ويكفي أن نتذكر الحروب بين السلاجقة والفاطميين والعباسيين التي استثمرها الصليبيون حوالي القرن الحادي عشر بعد الميلاد، علاوة على الحروب التي دارت في الأندلس بين ملوك الطوائف هناك.
ومرة أخرى كان للإرهاب السياسي دوره الأعظم لانهيار الحضارة الإسلامية، ويكفي أيضا أن نتذكر ضياع القيم الإسلامية الإنسانية الممثلة في الشورى والمساواة والعدالة والسماحة. فكم من خليفة قتل أو خلع. واستمر هذا الإرهاب في عصر المماليك عصر الحكم لمن غلب. ولنتذكر هنا مصائر عز الدين أيبك وشجرة الدر وقطز وغيرهم. ومن أخطر مصائب الإرهاب السياسي أنه يسحق الجماهير ويلهيها في البحث عن قوتها ويقتل فيها الانتماء والوطنية والحضارة.
التاريخ يعلمنا أن الدكتاتورية والاستغلال والقهر كانت تمارس من خلال أقلية متألهة تحتكر الموارد، وتغتصب السلطة، وتنتشي بالتميز. وقد حدث ذلك من خلال الدكتاتوريات الدنيوية والدينية على السواء. فالدكتاتور الدنيوي والدكتاتور الملتحف بعباءة الدين لا يرتدعان بنفس الدرجة بقيم الأخلاق والفضيلة والإنسانية. الشيء الوحيد الذي يردع الدكتاتور هو خوفه من قوى المعارضة عندما تنجح في اكتسابها الدعم الشعبي والجماهيري الجارف. هذا بالإضافة إلى أن أعدى أعداء الدكتاتور هي حرية الفكر التي كانت تردعها الكنسية الكاثوليكية في القرون الوسطى، وخلفاء وولاة الإمبراطورية الإسلامية، إضافة إلى البيروقراطية الصينية الكونفيوشية على السواء من خلال القهر العسكري والتأطير الأيديولوجي أو التعبئة الأيديولوجية.
هذا ويجب أن نلاحظ أن الدكتاتورية السياسية هذه تؤدي إلى الانهيار الاقتصادي نظرا لسيطرة النظم الإقطاعية العسكرية الزراعية كما حدث بصورة فاضحة في العصر المملوكي وفرض الضرائب الشرعية وغير الشرعية مما أدى لهرب الفلاحين إلى المدن وترك الزراعة وتصحر الموارد الزراعية. هذا وقد انهارت التجارة أيضا لتدهور الطرق والبنية التحتية والأمن، وتدهورت الصناعة لنفس الأسباب، وغاب العلم والبحث العلمي واقتُصر على التعليم الديني وعُزِف عن تدريس الفكر الإغريقي الذي كان مصدرا للحضارة الإسلامية في قمة ازدهارها.
الخلاصة: المشروع السياسي الإسلامي، أو كما يسمى، يحمل في طياته بذور دماره. وفي ذلك يتساوى المشروع السياسي الإسلامي مع المشروع السياسي المسيحي أو المشروع السياسي اليهودي أو أي مشروع سياسي أيديولوجي. ذلك لأن السياسة والدين متناقضان متمانعان، نظرا لأن الأولى هدفها الحكم والنفوذ والقوة والسيطرة بكافة الوسائل المكيافيلية، وأيضا بكافة الوسائل التقية التي يعتنقها الدكتاتوريون الدينيون. أما الدين فهدفه الفضيلة والخير والعطاء والسمو الروحي والسلام العقلي والوجداني بين الإنسان من ناحية وربه والكون والبشرية والموت من ناحية أخرى. يا دكتور مرسي، ويا شيخ حازم، الدين والسياسة لا يختلطان Politics and religion don’t mix. ومع هذا فهل الدين والسياسة عدوان لا يلتقيان؟ لا بالقطع، في تقديري. الدين يهذب السياسة ويوجه السياسيين نحو تحقيق القيم الإنسانية العليا والالتزام بمعايير الفضيلة والخير والجمال والعدل والمساواة والتحاب والسماحة. هذا في الوقت الذي تقوم فيه السياسة بحماية الدين وحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية في ظل الالتزام بالدساتير والقوانين المتوافق عليها من الجماعة الإنسانية. أخاف وترتعد فرائصي أن المشروع السياسي الإسلامي الإخواني، أو كما يسمى، سيؤدي إلى الجائزة الكبرى لإسرائيل وأمريكا والسيدة آن باترسون الممقوتة، والفتى أوباما الذي خدعنا بعرقه وأصوله، ألا وهي تقسيم مصر، وتفتيت تلك الدولة قبل أن تصبح بحضارتها وتاريخها ومواردها وعبقرية مكانها وشعبها المارد الساكن الدولة العظمى في هذه المنطقة.

الأربعاء، مايو 01، 2013

محمد نبيل جامع يكتب: المشروع الإسلامي الذي لا يعرفه المتأسملون

تأملت كثيرا في المصطلح الذي يفضله المستنيرون من المتأسلمين، وهو "المشروع الإسلامي"، فلم أرَ إلا وصفه بأنه "إسلامي". أما المشروع نفسه فهو في بطن الشاعر، ولا يعلمه إلا الله. ولذلك تباينت المعاني لهذا المشروع وفقا للمفاهيم المذهبية والسياسية والاقتصادية والثقافية. فرأينا الخلافة الراشدة التي لم تدم إلا ثلاثين عاما، ثم رأينا الفتنة الكبرى في صدر الإسلام، ثم رأينا الملك العضود، ثم رأينا خلافة غير راشدة (عدا عامي حكم عمر بن العزيز رضي الله عنه)، ثم رأينا مشروع الشيخ حسن البنا، رحمه الله، ثم رأينا انحرافا وتحولا على يد خلفاء الشيخ البنا تمثل في الانجراف السياسي والتحول العنيف للسعي إلى الحكم والسلطة والوصول بالفعل من خلال المؤامرات وأحط الأساليب وأبعدها عن القيم والأخلاق الإسلامية إلى سدة الحكم فيما كنا نأمل أن يكون بحق "الربيع العربي". وقد تحالف خلفاء الشيخ البنا مع الفكر الوهابي وترعرعت ثقافة المتسلفة، ولم نعد نعلم حقيقة المشروع الإسلامي. هل هو المتسلفة والوهابية، أم هل هو خلفاء البنا وجماعتهم الفاشية المستبدة، أم هل هو الجماعات الجهادية وزعيمهم البن لادي ونماذجها الصومالية والسودانية والأفغانية، أم هل هو النموذج الإيراني، أم هل هو النموذج التركي، أم هل هو النموذج الماليزي والإندونيسي، أم هل هو النموذج المصري الأزهري؟
بالنسبة لي، المشروع الإسلامي الذي لا يعرفه المتأسلمون هو ألا أكون مثل هذا المخلوق المتسلف ضخم الجثة المتمادي في طول لحيته، ذي الجلباب الأبيض الذي كان اليوم بالذات يركب سيارة جيب شيروكي لا تكاد ترى داخلها من طبقات التراب التي تكسو جسدها، ومعلق على زجاجها الخلفي يافطة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بسيفين وقد غطت هذا الزجاج الخلفي بكامل عرضه. يقف هذا المخلوق  الفظ في وسط الشارع أمام محل عصير وقد عطل المرور من خلفه لمدة لا تقل عن ربع ساعة حتى عاد من المحل وركب السيارة والجميع يلاحقه بالكلاكسات والسب العلني. أين إسلام هذا المخلوق، وأين حياؤه؟ وهو المفترض أن يعلم أن لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء. ألم يسمع عن حق الطريق وحرمته في الإسلام؟
المشروع الإسلامي الذي يعرفه العبد الفقير إلى الله كاتب هذه السطور هو طاعة الحبيب المصطفى الهادي صلوات الله عليه وسلامه في مقولته للأعرابي الذي يريد في الإسلام مقولة مختصرة شافية، ألا وهي "قل آمنت بالله ثم استقم". لاحظ أيه القارئ العزيز أن المشروع الإسلامي هو أن تكون أنت (كفرد) مسلما بحق، أن تكون مؤمنا، وأن تكون مستقيما. الإيمان والاستقامة أعمال فردية. هذا في الوقت الذي يحث فيه الإسلام على الجماعية والتعاون والتآلف والتحاب مع مخلوقات الله جميعها وكونه كله، ولكن لم يطلب من المسلمين أن ينشئوا دولة إسلامية عنصرية تقوم على إقصاء غير المسلمين وطردهم من ديارهم، وإنما دعا الإسلام لأن يكون من بين المسلمين أمة، أي جماعة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، كما دعا أن يكون من بين المسلمين نفر، أي جماعة، تنفر وتسعى لطلب العلم وتعليمه للناس كافة.
أيها الملتحفون بالإسلام وأنتم تمارسون السياسة بأحط أساليبها تحت غطاء التقية: لقد نجحتم بفعلتكم أن تثبتوا بما لا يدع مجالا للشك أنكم لم تحملوا الخير لمصر. فرقتم بين المصريين بإقصائكم من هم ليسوا أهلكم وعشيرتكم. العنف منهجكم وزوار الفجر مسلككم. لقد نجحتم في توعية الشعب المصري بأكذوبة "الإسلام السياسي" لتنقضي إلى غير رجعه، لقد خالفتم دستور المدينة المنورة، دستور الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولم تؤاخوا بين المصريين وبين أنفسكم، وروعتم المصريين مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وأجهضتم الصحوة المصرية، ودمرتم الاقتصاد والمجتمع المصري، كل هذا وأنتم تعتقدون أنكم تحسنون صنعا، فأي عقل تحملون؟
إن المشروع الإسلامي الذي أعرفه هو الإيمان بالله ثم الاستقامة. في ظل هذا المشروع العظيم، أحب الخلق أجمعين، وأهنئ المسيحيين في أعيادهم، وآكل من طعامهم، وأتزوج من نسائهم، وأتبسم في وجوههم. ألم يفعل ذلك الحبيب المصطفى أيها الحازمون، ويا أيها الحازم نفسك، أنت ومرجان صحبك، ومن ورائكم وجدي غنيمكم وأتباعه ببذاءاتهم وتكفيراتهم؟ أفق أيه المرشد أنت وجماعتك فلن تضروا مصر أبدا، اتركوا السياسة للسياسيين، فالسياسة علم ووعي ورؤية وفن ومهارة وقبول، والدين أصل الإنسانية وروح الحياة المطمئنة، عسى أن تكون نصيحتي لوجه الله سبحانه وتعالى هو نعم المولى ونعم النصير، وهو القادر أن يحييكم من بعد مواتكم.