الخميس، أبريل 18، 2013

يحيى صقر يكتب: التاريخ يعيد نفسه.. من "صكوك الغفران" إلى "انتخابات تدخل الجنة"

هكذا بدأ الأمر في أوروبا لتدخل عصرها الأسود، وحكم الكهنوت وبيع الجنة والنار للمواطنين، حتى يتمسكوا بحكمها.. "صك الغفران ببيضة، صك الغفران بمحصول قمح، صك الغفران بعشاء للكاهن، صك الغفران بذهب، صك الغفران بالفضة، صك الغفران بعلاقة بين الكاهن وفتاة لتدخلها الجنة"، حتى انقسمت الكنيسة إلى كاثوليك وبروتستانت، ثم أتى التيار العلماني الواضح الصريح الذي طالب بفصل الدين بشكل نهائي عن السياسة.
بدأ الأمر بكلمة "إندولجنتيا" التي تحولت بعدها لـ"صكوك الغفران"، فمعنى الكلمة حسب المعتقدات الكاثوليكية هي الإعفاء الكامل أو الجزئي من العقاب الدنيوي، والتي منحت من قبل الكنيسة بعد أن يعترف الآثم بإثمه، ويتوب عنه لتتحول بعد ذلك لصكوك تباع من قبل الكهنة.
 استند الكهنة في بيعهم لصكوك الغفران، لكونهم ورثة بطرس، فقد ورثوا عنه سلطة العفو وفقًا لما قاله سيدنا عيسى: "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات".. (متى 16/18 - 19).
وانتشرت بعد ذلك صكوك الغفران بمباركة البابا بعد أن صارت تخرج مختومة بخاتمه الخاص، بصفته ممثل الله فى الدنيا، لتدر على الكنيسة كميات كبيرة من الذهب والفضة، فبدأت الكنيسة في بيع صكوك الغفران للأقارب الأموات، لتساعدهم على دخول الجنة، فما أكثر الباحثين عن الغفران وما أكثر المذنبين!
فى تلك الفترة ظهر أول المهرطقين في ذلك الوقت "جون هص"، ليخوض تجربة هي الأولى من نوعها، ويعلن حربًا دروسًا على الحكم الكهنوتي، مثله مثل العلمانيين في عالمنا الإسلامي الآن، ليبدأ بالطلبة في الجامعة لمعرفته أن عقولهم قابلة للتفتح وفهم الواقع والحلم بالمستقبل، فيعلمهم دور رجال الدين الحقيقي بأن يكونوا قادة روحانيين وليسوا حكاماً على الأرض، لأن قوانين الأرض يجب أن تترك للناس، وطبيعة حياة المجتمع، فالحديث باسم الدين والحكم باسمه يشوه صورة الدين النقية لدى المواطنين، فما كان من الباب والكنيسة غير أن تعلن الحرب عليه، وتعلنه ملحدًا ليحكم عليه بالحرق حيًا، وهو مصلوب ليكون عبرة لغيره في يوم 6 يوليو 1415 في محاكمة لاهوتية.
نعود مرة أخرى لنقطة الصفر، فالتاريخ يعيد نفسه، هكذا تعلمنا لتتحول صكوك الغفران عند الكنيسة، لنعم تدخلك الجنة، ثم انتخاب تيار الإسلام السياسي، وطاعة الحاكم الإسلامي تدخلك الجنة في عالمنا العربي.
تتحول مصر إلى ساحة صراع بين من يؤمن بالعقل، وأن الدين تسامح ومبادئ سامية، وبين من يبيع للشعوب صكوك غفران بشكل جديد، الشيخ فلان قال نعم فقولوا نعم، أو قولوا نعم تدخلون الجنة، فالمسيحيون فقط هم من سيقولون لا، وأعداء الإسلام من الليبراليين والعلمانيين "الكفرة"، ليخرج أحد شيوخ الإعلام المشهورين ليعلن انتصار الإسلام فى غزوة الصناديق، ثم إلى انتخابات برلمانية رفع فيها تيار الإسلام السياسي شعار الجنة والنار والشريعة الإسلامية، شعارات مثلت للفقر والجهل الملاذ الأخير لدخول الجنة، فالليبراليون لن يطبقوا الشريعة، ولن يدخلوكم الجنة، أما التيار الإسلامي فصاحب مرجعية ورؤية تدخل الشعب الجنة، هكذا صوروا للشعب، لكسب الانتخابات البرلمانية دون أن يصدروا أي تشريع يتضمن شيئَا من الشريعة الإسلامية، لكن باعوا للشعوب الجنة والنار في أكياس معبئة بالهواء.
تأتى بعدها انتخابات الرئاسة لتسير على نفس النهج والمنوال بكافة التفاصيل، الجنة والنار فى مقابل النظام البائد في مقابل الكفرة.
ويختار الشعب بعادته بعد أن انتشر الجهل والفقر أن يشترى الجنة بانتخاب رئيس إسلامي يطبق شرع الله، لكن أين شرع الله الذي طبق؟ وأين الرئيس من الإسلام؟ كل ما حدث هو شيطنة للمعارضة، وتخوين وترهيب منهم، ثم اتهامهم بالإلحاد ونشر الفوضى، فالأرض ومحاربة المشروع الإخوانى الذي أصبح المشروع الإسلامي، ليتحول في فطرة قصيرة من صورته كمعارض لمحارب ضد الإسلام من معارض ينشر الفوضى لمعارض ينشر العلمانية "الكفر"، كما صوروه، لكن المفاجأة في انتشار الإلحاد بشكل فعلى فى مصر، وكثرة الهاربين من الإسلام.
بعد أن كان دين الله الذي اختتم به الرسالات ليضرب مثلاً في التسامح وحب الغير، وترك الحكم لله، وترك ما لله لله، وما للشعب للشعب، وإعطاء حق اختيار الدين والإيمان به والحرية والمساواة بين الجميع والكثير من المبادئ السامية والنبيلة، ليتمثل في أشخاص بعيدين كل البعد عن الدين، يحكمون مَن في الجنة ومَن في النار، مَن المؤمن ومَن الكافر، يغيرون صورة الإسلام ويشوهونها بأفعال لا تمت للدين بعهود لا تحترم، بكلمات لا تصان، بكذب ورياء، بفاحشة، بضرب النساء بأشياء لا تمت لدين الله بشيء.
إن كان هذا إسلامكم فراجعوا أنفسكم، أو لا تتحدثوا باسم الدين، فالدين بريء من تلك الأفعال، فأنتم صنعتم من أنفسكم حكامًا وأوصياء على الدين، صرتم تبيعون صكوك الغفران، لكن بشكل أكثر حداثة، فلا يستبعد أحد أن يُحرق المعارضون أو يعدموا أو يصلبوا، فالتاريخ يعيد نفسه.

هناك 4 تعليقات:

  1. شكرا ع المجهود الرائع

    احب اساعد بان اضيف شركة بالهرم تطلب موظفين out door

    ده لينك الموقع الخاص بهم للاطلاع


    http://www.evinile.com/

    ردحذف