الجمعة، أبريل 12، 2013

أحمد عسكر يكتب: دولة القانون .. هل غابت وسقطت؟!


دائما ما يقاس تقدم الدول وتحضرها بمدي احترامها لسيادة القانون، والعكس أيضا دائما ما يقاس تخلف وتراجع الدول بغياب سيادة القانون، فسيادة القانون هي الأساس لأي دولة تريد أن تسير في ركب الدول الديمقراطية المتقدمة.
ولعل ما تشهده مصر خلال الفترة الحالية هو أكبر دليل أننا وبلا أدني شك نسير بخطي سريعة نحو الهاوية والتراجع عما كنا نأمله بعد ثورة قام بها الشعب المصري الذي لطالما يحلم بدولة ديمقراطية حديثة متقدمة، يكون لها وضعها الطبيعي والمعهود علي النطاق الإقليمي والعالمي.
تعاني الدولة المصرية الآن من غياب القانون، وهو ما انعكس بالطبع في استمرار التظاهرات والعنف الذي يشهده يوميا الشارع المصري، وتحميل كل طرف من الأطراف السياسية الموجودة علي الساحة - سواء من هم في السلطة أو المعارضة - للطرف الآخر مسئولية ما يحدث من أعمال عنف وتخريب وصولا إلي إراقة الدماء المصرية الطاهرة، تسابق الطرفان علي إلقاء وتحميل الاتهامات والمسئولية فيما يحدث في الشارع علي الطرف الآخر، دون العمل علي الوصول لحلول جذرية تنهي إراقة الدماء التي تهدر يوميا وتنهي حالة الاستقطاب السياسي والخطاب المتشدد من جانب بعض الأطراف وخاصة التيار الإسلامي، بما ينذر بعواقب وخيمة لا يحمد عقباها.
ولكن علي الرغم من وجود دستور جديد تم إقراره بناء علي رغبة الشعب من خلال الاستفتاء، وثناء كثير من قياديّ التيار الإسلامي بمختلف توجهاته علي هذا الدستور، وعودة دولة القانون مع العمل بهذا الدستور الجديد بعد فترة زمنية عصيبة عانت مصر فيها احتجاجات واضطرابات ورفض جراء الإعلانات الدستورية التي أصدرها المجلس العسكري أثناء إدارته لشئون البلاد، والرئيس محمد مرسي بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، إلا أن هناك أسباب كثيرة أدت إلي غياب دولة القانون وما صاحبها من فوضي وعنف والاستهانة بأجهزة الدولة المختلفة بالإضافة إلي حالة الإحباط الشديدة التي يعاني منها الكثيرون من أبناء الشعب المصري.
لعل من أهم هذه الأسباب تقاعس أجهزة الدولة عن محاسبة المتهمين بقتل المتظاهرين السلميين منذ بداية الثورة 2011 حتي الآن، والإفراج عن الكثيرين منهم، مما أوعز في نفوس الكثيرين من الشباب وأهالي الشهداء الذين سقطوا بأن شيئا لم يكن وأن الثورة التي قامت من أجل أن يصبح لا أحد فوق القانون والكل يحاسب مهما كان، كانت مجرد شعارات فقط لا أكثر من ذلك، مما ولد شعور بأن الثورة يتم سرقتها وإجهاضها، وولد شعور لدي الثوار وأهالي الشهداء في ظل غياب دولة القانون بأخذ حقوقهم بأيديهم بعدما فقدوا الثقة في قيام الدولة بدورها في معاقبة وحساب كل من أخطأ.
ولعل من الأسباب أيضا التي أراها سببا في غياب القانون وقلة احترام القانون هو ما قام به الرئيس مرسي عندما اخترق الدستور بالعمل بما يخالف أحد مواده والخاصة بإعلان الطوارئ في أنحاء الدولة دون مشورة البرلمان ودون أخذ رأي مجلس الوزراء، فذلك يعد انتهاكا واضحا للدستور والقانون، وأيضا ما قام به الرئيس مرسي من إقالة النائب العام السابق وتعيين نائب عام جديد دون الرجوع إلي المجلس الأعلي للقضاء وهو ما أثار ضجة كبيرة في الوسط السياسي والقضائي، ورآه الكثيرين ديكتاتورا جديدا لم يسبقه أحد إلي هذه الديكتاتورية، فإذا تعاملنا مع ما قام به الرئيس كنموذج للاستهانة بالقانون وعدم احترامه، فكيف بالآخرين؟؟!! فإذا كان رب البيت بالدف ضارب .....
نأتي لنموذج آخر، جعل الكثيرين من أبناء هذا الوطن في شك عميق من احترام للقانون وتطبيقه، وهو النائب العام الجديد المستشار طلعت إبراهيم، والذي فور قيامه بمهام منصبه أعلن وتعهد بإعادة المحاكمات لرموز النظام السابق ولكن ما رأيناه مؤخراً هو الإفراج عن عدد كبير من رموز النظام السابق وعدد كبير أيضا من ضباط الشرطة المتهمين بقتل المتظاهرين أثناء الثورة 2011، فضلا عن قيام النائب العام بالنظر في قضايا وإهمال أخري كقضية موقعة الجمل وعدم استدعاء قياديّ جماعة الإخوان المسلمين لإثبات تورطهم في هذه الموقعة من عدمها،  وقراراته الأخيرة المريبة بشأن إعادة حبس المتظاهرين بعد إفراج النيابة عنهم وهو ما امتعض منه رجال النيابة واعتبره البعض أن السياسة تدخلت في قرارات النائب العام، فضلا عن الطريقة المثيرة والغريبة التي جاء بها النائب العام المستشار طلعت إبراهيم والتي جعلت شكوك الكثيرين حوله علي أنه جاء كنائب خاص بجماعة الإخوان المسلمين وليس نائبا عاما للمصريين.
لا يجب أن يستمر هذا الوضع الذي نعاني منه كثيرا حتي لا يأتي اليوم الذي نندم فيه علي ضياع الدولة المصرية، في ظل غياب وتهاون أجهزة الدولة في تطبيق القانون من ناحية واحترام القانون من ناحية أخري وهو ما يجعل الطريق مفتوحا أما الخارجين علي القانون والمتربصين بهذا البلد أن تلعب أيديهم بما يثير الفوضي والعنف وعدم الاستقرار والانحدار بالدولة المصرية إلي غياهب التخلف والتدهور الاقتصادي و السياسي و الإجتماعي، فعندما تغيب الدولة ويغيب القانون تكن الأمور ممهدة للفوضي والتخريب والعنف وظهور مفاهيم وحركات جديدة لم يكن يسمع عنها المجتمع من قبل، وهو ما ينذر بالخطر علي مستقبل هذا البلد الذي طالما عاني ويعاني من سوء الإدارة وعدم احترام القانون.
يجب أن يحترم من في قمة الهرم القانون ويراعونه ويطبقونه حتي يحترمه ويراعيه من في القاع حتي تستقيم الأمور.

هناك تعليق واحد: