الخميس، مارس 14، 2013

نشوى محمد تكتب : فجوة الثقة فى القرارات الرئاسية .. لماذا تستفز شعبك ؟

في مبادئ العلوم السياسية، أي قرار يصدر من المؤسسة الرئاسية لابد أن يكون مدروس الجوانب والأبعاد والنتائج وإلا سيقع صانع القرار في الكثير من المشاكل والأخطاء فخطواته محسوبة ومتربصة من المعارضة والمواطنين على حد سواء طوال فتره حكمه.
 على أرض الواقع المصري، يتضح وبشده أن هناك لبث وعدم فهم من قبل مؤسسة الرئاسة بين طريقة "صنع" القرار وطريقة "سلق" القرار، ومن هنا يسلط هذا المقال الضوء على عملية التخبط والضبابية في صنع القرار المصري وخاصةً بعد انتشار العديد من المشكلات في مؤسسة الرئاسة في ظل إدارة الرئيس محمد مرسى.

بدأت قصة ضبابية صنع القرار وفجوة الثقة في القرارات الرئاسية بتراجع الرئيس محمد مرسي عن قراراته والتي تكررت غير مره بحيث أصبحت سمة مميزة للرئيس، بدايتها في أول 8 أيام قضاها الرئيس بعد توليه مباشرة حينما أعلن عوده مجلس الشعب المنحل مما أشعل الصراع بين مؤسستي القضاء والرئاسة، ليعلن الرئيس بعدها تراجعه عن القرار مؤكدا احترامه الكامل للقضاء.

ومن بعدها زادت موجه التخبط أكثر فأكثر فمن القرارات التي تم الرجوع فيها كذلك، تعيين المستشار عبد المجيد محمود سفيرا لمصر في دولة الفاتيكان والذي تراجع فيه الرئيس، ولم تقف الضبابية عند هذا الحد بل اتضحت أكثر حينما أصدر الرئيس يوم 21 نوفمبر على لسان متحدثة الرسمي ياسر على إعلاناً دستورياً، ألغاه يوم 8 ديسمبر على لسان الدكتور محمد سليم العوا، بإعلان دستوري جديد تنص أولى مواده على إلغاء السابق ولكن هذا التراجع تم بعد بحور دماء سالت في عدد من الميادين وبعد حالة تقسيم رهيبة يعانيها المصريون منذ هذا الإعلان، ولم يكن الإعلان الجديد آخر خطوات التراجع للرئيس، فبعد 24 ساعة تراجع للمرة الرابعة، لكن هذه المرة عن قرارات تتعلق برفع الضريبة على عدد من السلع؛ حيث أعلن الرئيس التراجع عن التنفيذ لحين إجراء حوار مجتمعي حول الزيادات المقررة.

استمرارا لمسلسل التخبط دعي الرئيس مرسي الناخبين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات مجلس النواب وسط خلافات ومشاحنات وإراقة دماء على مستوى البلاد، على أن تتم الانتخابات على أربع مراحل، تبدأ المرحلة الأولى منها يومي السبت والأحد 27 و28 إبريل، والإعادة لهذه المرحلة يومي 4 و5 مايو المقبل. ولأن القرار بالطبع غير مدروس تزامنت هذه المواعيد، مع أعياد تحتفل بها الطوائف المسيحية الثلاث في مصر (أرثوذكس وكاثوليك وإنجيليين) وهي: بداية أسبوع الآلام السبت 27 إبريل، وأحد الشعانين الأحد 28 إبريل، وسبت النور السبت 4 مايو، وعيد القيامة الأحد 5 مايو. وكالعادة تم التراجع وتعديل القرار بعد مطالب الأقباط بتعديل موعد إجراء الانتخابات بإصدار قرار رقم 148 لسنة 2013م بتعديل مواعيد المراحل المختلفة بما يضمن مشاركة المواطنين. من جهة أخرى، انتقدت العديد من القوي المجتمعية لهذه الدعوة لأن توقيتها يأتي وهناك إراقة لدماء المصريين وما تشهده مدن القناة، والعديد من المحافظات من دعوات للعصيان المدني.

من هنا نستنتج أن التخبط في صنع القرارات الرئاسية ليس له إلا معنى واحد فقط، أن مثل هذه القرارات لم تخرج من مؤسسة متكاملة ولا من مؤسسة احترافية قامت على موازنة الآراء وحساب مردودات كل خطوة، وإنما خرجت بحسابات وبفكر أحادي وهذا الفكر لا يتوفر فيه الدقة في صنع القرار لدرجة أنه أصدر قرارات غير مدروسة ولم يحسب لها النتائج والمردودات المحتملة بدقة.

فكل قرار يصدره صانع القرار في مصر وخاصةً بعد الثورة محسوباً عليه، فقرار واحد من مؤسسة الرئاسة كما تدعى ذلك قد ينتهي إلى دوامة عنف وحرائق سياسية ومجتمعية واسعة، ولسنا في منأى عن ذلك فلقد شهدته مدن القناة بالفعل ومازالت تعاني منه بعد فرض حالة الطوارئ وحظر التجول عليها ودعت لعصيان مدني يؤثر بالسلب على المنظومة الاقتصادية.

ومن الناحية العملية، التراجع في هذه القرارات الغير مدروسة النتائج أظهر صانعها بمظهر الضعف الشديد، فبدا الأمر كهزيمة للجماعة ومجمل الإسلاميين، على نحو يهدد قاعده الرئيس الانتخابية التي يدافع بها عن نفسه في كل لقاء أو خطاب أو حوار صحفي، فلقد أصبح الرجوع في القرارات سمه مميزة للرئيس وباستمرار هذا التخبط في صنع القرارات يصدم الرئيس والجماعة صدام لا محالة له بموقف قد يكون شبيها بموقف الرئيس السابق مبارك يوم 11 فبراير 2011، فما يحدث على الساحة السياسية الآن نتيجة لتخبط القرارات الرئاسية، ومن الواضح أن كرة ثلج جديدة في طريقها للتكوين والتي تكونت من كم الغضب والاستفزاز الذي يقوم به الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين والذي يقفز بالبلاد قفزة بعيدة نحو المجهول ويضعها في موضع أكثر خطرا.
وحتى عندما يصدر الرئيس قراراً ويرجع فيه لا يقدم وجهة نظر أو يطرح رؤية بديلة إنما يقوم بذلك بعد انقلاب المواطنين والقوى السياسية على نتائج هذا القرار السلبية، وحتى الاعتذار عن إصدار هذه القرارات لا تقدمه الرئاسة فقط إما التبرير أو السخرية من القوى المتحدثة باسم الجماعة المؤيدة للرئيس أو للمرشد بمعنى أكثر دقة.
من هنا، فالمطلوب من رئيس الجمهورية إلا يتمادى في استفزاز الشعب المصري أكثر من ذلك، ويدرس توابع ونتائج أي قرارات يصدرها فهي محسوبة عليه، ولتصمت الجماعة ومن يتحدث منها فهي تزيد الطين بله ولا تقدم حلولاً بل تزيد النار اشتعال، فيكفي كم التخبط والضبابية في صنع القرار السياسي من مؤسسة الرئاسة، والذي نتج عنه فجوة ثقة بين الحاكم والمحكومين في مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق