الأربعاء، فبراير 06، 2013

عبد الغفار الديواني يكتب: نحو تنظير سياسة خارجية مصرية جديدة.

إذا كانت السياسة الخارجية هي تلك الافعال والقرارات والتصريحات التي تقوم بها الدول عبر الاجهزة المختصة تجاه العالم الخارجي والفاعلين الدوليين الاخرين سواء على المستوي الاقليمي او الدولي، فإن الثورة المصرية حينما قامت لم تبدي اي تلميحات لهذه الافعال كذلك وبالنظر إلى العوامل او الأسباب التي ادت إلى قيام الثورة نجد ان عنصر السياسة الخارجية لم يكن سببا مباشرا او مميزا في قيام الثورة ولكن كانت هناك عوامل اخري داخلية منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومع ذلك فقد برزت السياسة الخارجية كأحد المتغيرات التي نالتها الثورة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات العربية والاقليمية وكذلك كمحاولة لإعادة الدور والمكانة الاقليمية المفقودة وإن لم يكن واضحا حتى الان نظرا للتحديات الداخلية التي تواجهها المرحلة الانتقالية.
ومن ثم نستطيع القول ان العالم الخارجي كان بمثابة الغائب الحاضر خلال الثورة المصرية فهو غائب بنسبة كبيرة عن الخطابات الثورية المعلنة ولكنه حاضر في مكنون الثورة فقد وما زال العامل الداخلي هو الهدف الاول للثورة فكان هو المنطلق وهو الغاية أيضاً في نفس الوقت. ومن ناحية اخري نجد ان العالم الخارجي وقع في مأزق حسابات المصالح المتضاربة بين تأييد الثورة والقيم والشعارات التي دفعتها وبين تأييد للنظام المستبد الحليف فقد كانت ثورة ضد نظام تابع لمصالح دول خارجية ولم تكن المصلحة الوطنية حاضرة في ظله الا فيما يراه النظام نفسه وعلى النحو الذي يخدم التبعية الضامنة لاستمراره وحمايته، ولعل هذا ظهر في احداث عديدة منها الحرب الامريكية على العراق 2003 وكذلك الحرب على غزة 2008 وغيرها ما يظهر ضعف الدور المصري في المنطقة وتبعيته لأنظمة اخري.
ويمكن اجمال السياسة الخارجية المصرية في عصر مبارك في أفكار عامة وهي الاستسلام لأحادية النظام العالمي والابتعاد عن النظام العربي والتوجه المكثف نحو الغرب مما ادي إلى قيام علاقات خارجية مشبوهة كالعلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وكذلك أدي إلى تجمع ثمار رديئة لهذه السياسات الضعيفة من هذه الثمار تراجع المكانة المصرية والدور الاقليمي لمصر في المنطقة لصالح قوي اقليمية اخري.
إلا أنه هناك ثلاث مستويات جديدة للسياسة الخارجية المصرية بعد الثورة وهي كالاتي:
المستوي الاول: الرؤية الديناميكية والاستراتيجية بحيث تكون السياسة الخارجية امتداداً للسياسة الداخلية وهو الامر الذي يتعلق بثلاث نقاط هامة هي الهوية المصرية، والمرجعية الحضارية، والمصالح الحيوية الهامة لمصر.
المستوي الثاني: أن تضم جميع القضايا الهامة مثل القضايا العربية والافريقية والاسلامية وغيرها، ليس فقط القضايا المصرية وذلك يستعي وجود مجتمع ودولة قويين على عكس ما كان في السياسة الخارجية لنظام مبارك المستبد.
المستوي الثالث: تحديد الآليات والادوات التي يجب ان تتبعها السياسة المصرية لتحقيق هذا التوجه، معتمدة في ذلك على قيم ثورة 25 يناير من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية، الامر الذي يتطلب تفعيل دور المؤسسات المدنية والشعبية في السياسة الخارجية من يجعلها مستمدة قوتها من الشعب.
ومن تحليل المستويات الثلاثة نري انها مرتبطة ببعضها البعض فكل مستوي منهم يعتمد عل الاخر واعتقد ان الترتيب منطقي في نفس الوقت، فهناك الاهتمام بالوضع الداخلي ثم تحديد اولويات القضايا ثم وضع الآليات والادوات.
مبادئ السياسة الخارجية المصرية
v     الالتزام بسياسة خارجية متزنة ترتبط بالأهداف والمصالح الاستراتيجية في إطار استقلال القرار المصري.
v    اعتبار الإطار العربي مجال تحرك رئيسي لسياسة مصر الخارجية، مع استمرار التركيز على النشاط الخارجي المتصل بالأطر الحيوية الأخرى المتمثلة في الإطارين الإسلامي والأفريقي وارتباط مصر بدول حوض النيل 
v   دعم مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول والتمسك بمبادئ القانون الدولي واحترام العهود والمواثيق ودعم دور المنظمات الدولية وتعزيز التضامن بين الدول والدفع نحو إصلاح الأمم المتحدة. 
v    الاهتمام بالبعد الاقتصادي للعلاقات الدولية.
v    دعم السلام والاستقرار في المحيط الإقليمي والدولي.
وعلى الرغم من هذه المبادئ فانه لابد من العلم ان السياسة الخارجية لابد أن تتمتع بصفة الواقعية بما يعني انها لا تعلي من القيم والمثل العليا فقط بل لابد من البحث عن المصالح العليا للوطن طبقا لطبيعة اولوياتها. ومن ثم وجب تحديد الاولويات وهي:
-         حماية الأمن القومي المصري والمصالح المصرية العليا.
-      ضرورة استعادة مصر لدورها الاقليمي والريادة في المجالات المختلفة وذلك بعد الضعف الشديد الذي شهدته حقبة النظام السابق.
-      تركيز اولويات التوجه الخارجي على العالم العربي والافريقي والاسلامي، مما يؤدي إلي فتح افاق تعاونية تنافسية مع القوي الاقليمية والدولية الأخرى.
-      عدم الاكتفاء بالأدوات الرسمية في ادارة السياسة الخارجية ولكن لابد من الاستعانة والتأكيد على اهمية الوسائل المدنية والشعبية الأخرى.
محددات السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة 
تدفع مجموعة من العوامل نحو تحديد توجهات السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة فهي مرتبطة ببيئة داخلية واخري اقليمية وأيضاً البيئة العالمية وبالطبع الخلفيات الحضارية والثقافية ولكن قبل تناول هذه العوامل لابد من التطرق إلى الاسس العامة التي تحكم هذه المحددات وهي:
-         السياسة الخارجية لا تنفصل بذاتها عن السياسة الداخلية للدولة فأي تحرك خارجي هدفه خدمة اهداف الداخل.
-         ان لمصر دوراً اقليمياً لا يمكنها ان تتنازل عنه بحكم ثقلها وقوتها الناعمة.
-      الواقعية في السياسة الخارجية في مواجهة التحديات الخارجية ولا يعني ذلك ان تتنازل مصر عن المبادئ الثابتة وانما تعني عدم التحليق في الهواء ورفع المثاليات التي تؤدي إلى ضياع المصالح والحقوق الوطنية ولعل هذه النقطة برزت في تعامل نظام مبارك بنظرة الاستعلاء مع الدول الافريقية بصفه عامة ودول حوض النيل بصفة خاصة مما جعلنا نتحدث اليوم عن مشكلة مياه قد تواجه مصر في المستقبل.
اما عن العوامل او المحددات التي توجه السياسة الخارجية المصرية فهي باختصار كالاتي:
1-      الخلفية التاريخية والثقافية: الدين والهوية واللغة والحضارة
2-      العوامل الداخلية:
-         التحولات الثورية                                 - التهديدات الداخلية
-         الاوضاع الاقتصادية                              - الانشقاقات السياسية
3-      العوامل الخارجية:
-         توازنات القوي في النظامين الاقليمي والدولي
-         التهديدات العسكرية وغير العسكرية
-         القابلية للاختراق من الخارج او التبعية
-         تراجع المكانة
4-      دور القيادة او النخبة من عوامل شخصية وادراكية.
ونلاحظ ان هذه العوامل قد نضعها تحت مستويات التحليل الثلاثة للسياسة الخارجية كالاتي: فمستوي التحليل الفردي مرتبط بالقيادة والنخبة، اما مستوي الدولة فهو مرتبط بالتغيرات الداخلية والخلفية التاريخية والحضارية، واخيرا المستوي العالمي فمرتبط بالتغيرات على المستوي العالمي والمقصود هنا العوامل الخارجية.
دوائر الحركة للسياسة الخارجية المصرية 
  لابد من إعادة ترتيب أولويات الدوائر الخارجية، على نحو يعيد الاعتبار لموضع ومكانة مصر في العالم. فإن هذه الدوائر ليست تبادلية (إحداهما تغني عن الأخرى)، ولكن هي بالأساس دوائر مترابطة. وهذا الترابط هو الذي يشكل التوجه الحضاري للسياسة الخارجية، حيث تعلو لديه أولوية دائرة على أخرى، وفقًا للاستراتيجية والأهداف والموارد ووفقًا للسياق الإقليمي والعالمي المحيط في مرحلةٍ ما، كما قد تعلو أولوية دائرة أخرى في ظروف مغايرة ودعم مبادرات من أجل تحريك تسوية المنازعات مع الأطراف الإقليمية، وبالنظر درائر السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة فيمكن تقسيمها إلى ما يلي:
1-    الدول الحيوية: وهي الدول التي يوجد بيننا وبينها علاقة جيران او هوية وهي دول الوطن العربي والشرق الاوسط بما فيها تركيا وإيران وإسرائيل، ودول حوض النيل.
2-    الدول الضرورية: الحتمية لمصر سواء على المستوي الاقليمي او العالمي هي الدول دائمة العضوية بمجلس الامن، والهند والبرازيل واليابان والدول الاوروبية والافريقية.
3-    الدول التكاملية: وهي بقية دول العالم التي لابد من وجود علاقات معها باعتبار اننا نعيش في عالم واحد ولابد من الاستفادة منها من اقامة علاقا ت اقتصادية وثقافية معها بما يحقق المصلحة الوطنية.
الواقع اننا إذا تأملنا في التقسيم السابق نجد اننا من الممكن ان نوسعه او ما إلى ذلك، ولكن بعد القراءة والتمعن في الادبيات والدراسات وجدت ان هذا التقسيم يمثل رؤية واضحة ومختصرة.
وفي الختام، نستطيع ان نقول ان الواقع يبرز ان المناخ الدولي والاقليمي والمنظور الخارجي للثورة المصرية ، مهيأ لاستعادة المكانة المصرية باعتبار ان الثورة المصرية ثورة فكرية حضارية فالعالم كله اجمع علي اعجازها وانبهر بها وهو ما أدي إلي استقبال المصريين في الخارج سواء في المؤتمرات او غيرها، باهتمام واعجاب شديدين، وباختصار فان الثورة المصرية تمثل نقله مجتمعية رغم التحديات التي تواجهها داخلياً ولكن يجب علي السياسة الخارجية ان تعكس الثورة خارجيا مما يجعلها اداه او وسيلة في تحقيق اهدافها وليست غاية فقط. كل ذلك بعيداً عن شخصنة السياسة الخارجية او تبعيتها 
لدول اخري.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق