السبت، فبراير 02، 2013

ميلاد سليمان يكتب: تهميش الأقاليم يصُب في المركز

حينما يستعد أي مواطن من أقاليم ومحافظات مصر المختلفة - أيًّا كان بُعدِها أو قربها من العاصمة - للسفر إلى القاهرة، يتم تسميّة ذلك في منطقته، وفي حديثه مع أهله، إنه نازل "مصر"؛ وكأن هويّة مصر وقلبها النابض لا يوجدان في هذه المناطق البعيدة عن القاهرة!!؟. بل وحينما يهمّ نفس الشخص بالجلوس على أحد مقاهي وسط البلد يتبادل أطراف الحديث في بعض الموضوعات ومهما كان مستوى خبرته وفهمه للأحداث؛ سيلمح في عين أحدهم، سواء بقصد منه، أو بدون قصد، أن من يجلسون معه يعتبرونه مجرد "قروي ساذج" يرتدي قشرة التحضُّر ويحاول التّشبه بأولاد المدينة!!؟. ولكي نحلل الموقف ونفهم أبعاده علينا الولوج إلى قلب الأقاليم ورؤية تفاصيلها.

                في الأقاليم، لا يوجد العدد الكافي من أفرع المؤسسات والوزارات والمصالح الحكوميّة الخدميّة العامة مثل المدارس والمكتبات والمُستشفيات والوحدات الطبية والأنديّة والجرائد القومية والخاصة كالتي تتوفر في العاصمة، كذلك لا يوجد هناك أي فرع لأي مؤسسة ذات سيادة يمكن الاعتماد عليها، بل أحيانا يضطر الناس للذهاب إلى القاهرة لإستخراج أوراق الرسميّة أو الحصول على ختم مُعيّن!!؟ وربما أثر تلك المركزيّة يرجع إلى أيام الدولة العثمانية والخلافة، حيث كانت مصر، والقاهرة تحديدًا بعد إستقلالها عن الكرسي العثماني مقرًا للعديد من المؤتمرات واللقاءات بين الدول، ومركز مُستضيف للمؤسسات السيادية حيث الشهر العقاري والمحاكم المختلطة والبرلمان المصري الذي أفتتحه الملك فؤاد الأول عام 1924.  

الجامعة الموجودة في الأقاليم، إن وجدت أصلا، لا تحتوي على نفس الكليات والأقسام والتخصصات التي تمتاز بها جامعة القاهرة، بل لا نكذب القول إن قلنا إنه لا يوجد في مكتبة أي جامعة إقليمية ربع الكتب الموجودة في المكتبة المركزيّة بجامعة القاهرة!!، ممّا يضطر العديد من الطلبة للسفر إلى القاهرة لتصوير مرجع أو شراء كتاب أو النظر في هوامش أحد الكتب!؟، جامعة القاهرة أصبحت بحكم مركزيتها، الواجهة الإعلاميّة للمنبر التعليمي العالي. لذلك نجد أن الجامعة الإقليمية النائية تقبل تنسيق أقل من نظيرتها بالقاهرة!!، بل حينما يريد رئيس الجامعة أو رئيس القسم أن يُعاقب أي دكتور أو أستاذ مساعد يتم نقله إلى جامعة إقليمية، وكأن هناك السجن والمنفى!!. بالتالي ماذا ننتظر أن يكون مستوى ذلك الطالب الذين يَدرس هناك وسط هذه البيئة!؟.

دُور النشر في الأقاليم قليلة وشبه منعدمة، وقصور الثقافة الحكومية نفس الشيء، بالتالي لا يجد طلبة الفكر أي جرعة ثقافية يمكن الحصول عليها في تلك المناطق، بل يلجأون للنزوح إلى القاهرة لنشر أعمالهم، وحضور الندوات والمؤتمرات ومناقشة الرسائل العلميّة، وقد وصل الأمر أن جاء أحد الكُتّاب من المنصورة لعمل حفل توقيع كتابه في القاهرة، نظرًا لرغبته في وجود التغطية الإعلامية المناسبة، وسط عدد مناسب من الحضور يشجعه على الإستمرار في العمل الأدبي.
وعلى الجانب السياسي، النظام والمعارضة لم يُقدما أي شيء حقيقي للأقاليم، فمُحافظي الأقاليم ورؤساء المحليات هناك يعتبرون أنفسهم ملوك في دويلات صغيرة لا يعرف الحاكم عنها أي شيء، فيتم السحل والإستبداد والقمع والنهب والسرقة دون أن يوجد من يرصد ويوّثق ويغطي الحدث إعلاميًا!؟. وفاعليات الأحزاب والحركات السياسية شبه منعدمة وغير منتظمة، وإن وجدت فهي لا تملك تصاريح وإشهار ومقرّات، بل يتم الإجتماع على مقهى في الشارع أو داخل شقة أحد الزملاء. لذا من الطبيعي أن لا نجد المسيرات الضخمة والمليونيات الحاشدة إلا في القاهرة والإسكندرية فقط.

ولا يتذكر المسئولين تلك الأقاليم إلا وقت الإنتخابات والإستفتاءات فقط، من خلال الوعود والعهود والجولات الخاطفة، وتمثيلية الأهل والعشيرة والنسب والضيافة والكرم، فيتم التعامل مع الناس هناك وكأنهم متسولين ينتظرون منّة وعطايا هذا الشخص، الذي يأتي فقط لتوزيع الشنط الخيرية والهدايا، ثم يلتقط لنفسه الصور من أجل الجرائد أثناء وقوفه وسط الناس بجوار "العجل المذبوح" من أجل الأيتام، وينتهي اليوم على ذلك، ولا يراه أحد مجددًا. 

ونظرًا لتقاعس الدولة عن دورها، وتهميش النظام الحالي عن تنفيذ برنامجه لإعطاء الأقاليم/ الفروع نفس إهتمام وخدمات العاصمة/ المركز، أصبحت تلك المناطق مُفرخة للقبلية والرجعية، فلا يمرّ أسبوع إلا ونسمع عن قضية قتل من أجل الثأر أو الشرف، أو عمليات تصفية لعائلات من أجل الإستحواذ على قطعة أرض، ولا ننسى أن كافة جنود الأمن المركزي والجيش يتم تعبأتهم من تلك المناطق، حيث الغلظة والعنف وعدم التعّود على التعامل الإنساني والحوار.

هذه البيئة المتأخرة عن الركب الحضاري، هي المكان الخِصب لزرع الفتن الطائفية والكراهية والتعصب، حيث يظهر البديل للدولة في منتجات المنظومة الدينية، فيلجأ المسلم إلى الجمعية الشرعية ومراكز تحفيظ القرآن والمساجد لعمل الإجتماعات وأخذ النصح وطلب المساعدة، كذلك يلجأ المسيحي إلى الكنائس ومراكز الخدمات التعليمية والطبية التابعة لها، وهذا اللجوء يقتضي على المواطن الإمتثال والخضوع لكل أوامر الكاهن/ الشيخ الذي يقوم بتوجيه وشحن الشخص حسبما يريد، لخدمة قضية معينة، وهذا ما ظهر جليًا في العديد من الأحداث، بدءًا من إستفتاء 19 مارس المشؤوم مرورًا بإنتخابات البرلمان والرئاسة والإعادة والإستفتاء الأخير، وما تخللهم من أحداث فتن طائفية في أطفيح، وإمبابة، ونجع حمادي، والمنيا، ودهشور.


هناك 4 تعليقات:

  1. كل التحية لكاتب هذا المقال , لقد وضعت يدك على اساس الازمة .. ازمة الانتخابات وغوغائية الاستقطاب , وان كنا نريد ديمقراطية حق غير مدفوعة بتعصب ما او بعقد نفسية تستفرغ في صندوق الانتخابات , فعلينا حل ازمة المركزية حتى نحصل على مواطن يحترم ذاته ويقدرها بشكل مستقل دون الحاجه الى كيان او جماعه تشعره بأهميته ووجوده

    ردحذف
  2. حديث رائع عن سلبيات تهميش الأقاليم وأثره على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأحد نتائج هذا التهميش هو ما نعيشه الآن من تخبط في الحياة السياسية وتوجيه ديني نحو اختيارات سياسية بعينها سواء في انتخابات الرئاسة أو البرلمان أو استفتاء الدستور دون فهم أو معرفة لنتائج هذه الاختيارات التي تعاني من تبعاتها ربوع الشعب المصري في تلك المرحلة.

    ردحذف
  3. الموضوع متعدد الجوانب لكن سريعا يمكن تناوله من الجانب التاريخي والاجتماعي حيث بداية ظهور المدن وبذوغ عصر الدولة الكلاسيكية بتنظيمها الهيراركي الذي تتوج قمته بشخص الملك أو السلطان أو الرئيس حيث تتمركزالقوة والوحدة السياسية لتلك الدولة ..أثينا ..روما ..الاسكندرية ..بغداد ..القاهرة ..الخ ..على هذا الحال استمر شكل الدولة حتى نهاية عصر الاقطاع ليبدأ التحول شيئا فشيئا نحو اللامركزية مع تعاظم وسيادة النظام الراسمالي وانتقال اقتصاديات المجتمعات من الاعتماد على الانتاج الزراعي(عصب اقتصاد الدولة القديمة ) الى الانتاج الصناعي الضخم غزير الانتاج وما استتبع ذلك من تغير في علاقات الانتاج وانماط الاستهلاك واغتراب العمل والرؤية المادية والفلسفية للعالم وتحلل الاطر والروابط العشائرية والقبلية التقليدية وبالتالي ظهرت الحاجة لنظام سياسي واجتماعي يعبر عن التطور الحاصل وتطلعات طبقة الراسماليين الصناعيين الجدد وحاجتهم لتسهيلات ومرونة تشريعية وسياسية تضمن لهم ولبضائعهم مساحات من حرية التنقل والتبادل السلعي والسيطرة على المقومات الاجتماعية والاقتصادية داخل مناطقهم المحلية ...أخلص الى اننا مازلنا نعيش مجتمع ماقبل الراسمالية بمعظم تفاصيله حيث تسود الثقافة الابوية والنمط الهيراركي السلطوي للعائلة والقبيلة وغياب الصراع الاجتماعي المادي لصالح فكرة الاستقرار تصاحبه اجواء تغلب عليها الافكار الماورائية والقدرية ...اي ان التطور العلمي والصناعي يواكبه غالبا تطور في النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي بالشكل الذي يعكس شكل الدولة وطبيعة الصراع بين القوى الاجتماعية داخل المجتمع ..والله أعلم

    ردحذف
  4. أضف لذلك تكتل رؤوس الأموال في القاهرة ولا وسيلة لخلق فرص عمل حقيقية بعيدا عن القاهرة باستثناء السياحة .

    ردحذف