الاثنين، فبراير 18، 2013

خالد عاصم يكتب: ولكن نظاماَ لم يتنحى.

" الشعب يريد اسقاط النظام" كان هو الهتاف الذي رج اركان ميادين مصر جميعها حين انطلقت مسيرات 28 يناير 2011 و انطلقت معها ثورتنا التي اصبحنا نختلف الأن على مدى نجاحها من عدمه و هل عليها ان تستمر ام يعاد انتاجها, "الشعب يريد اسقاط الرئيس" الهتاف الذي انطلق بميدان التحرير ليتحول مع انطلاقه مسار الثورة التي انتهت ذروتها حين انصرف الثائرون من الميدان يوم 11 فبراير 2011 و قت ان اعلن مبارك تخليه عن منصبه, و بين اسقاط النظام و اسقاط رأس النظام تدفع مصر و ثورتها ثمناَ باهظاَ من دماء ابناءها و رصيدها لدى جموع العامة من الشعب المصري.
كان من المفترض والمنطقي ان تنطلق احتفاليات المصريين بنجاح ثورتهم مع ذكرى يوم تنحى مبارك ونظامه عن حكم مصر هذا الشهر، كما كان من المفترض ان نحتفل لذات السبب يومي 25 و28 يناير، ولكن أيا من هذا لم يحدث، بل على العكس انطلقت مسيرات وتظاهرات ادت الى صدامات عنيفة قد تعيد لأذهاننا ذكرى ايام الثورة الأولى التي رددنا فيها الهتاف الذي كان في تخلينا عنه تخلي عن مطالب الثورة الحقيقية. الشعب يريد اسقاط النظام.
اثبتت احداث العامين المنصرمين منذ انطلاق ثورتنا مرورا بالفترة الانتقالية تحت حكم المجلس العسكري و حتى وقوع مصر تحت وطأة حكم الإخوان المسلمون, ان شتان بين اسقاط نظام و اسقاط رأسه, فسقوط رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوط النظام ذاته حتى و ان وضعنا في الاعتبار مقاضاة و اقصاء كل رجالات هذا النظام, فنظام الحكم لا يتمثل فقط في رجاله مهما كانت سطوتهم و قوتهم و كفاءاتهم, و لا يعني مجموعة من الملتفون حول مصلحة معينة حتى و ان كانت تلك المصلحة هي الحزب الوطني نفسه, بل يشمل مفهوم النظام حياة وطن بأكمله بمؤسساته و الياته و استراتيجياته و طريقه حكمه و شعبه ايضاَ, ان النظام يتخطى الأشخاص ليشمل مجموعة الأفكار و الرؤي التي على اساسها يتم تسيير امور الحكم و التحكم, و عليه فإن ازالة النظام لن تتأتى ابداَ في ازاحة رأسه و بعض من رجاله من صدارة المشهد السياسي حتى و ان تم ذلك بسجنهم.
لربما كان لتنازلات مبارك ابان ذروة المرحلة الثورية وتركيز القوى السياسية آنذاك عليه أكبر الأثر في تحويل المطالب الى رحيله هو فقط، دون النظر الى ما سيتبع ذلك من كيفيات واستراتيجيات وجب وضعها عين الاعتبار للتعامل مع نظامه ورؤاه السلطوية التي سيطرت على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية في مصر على مدى ثلاثون عاماَ، وهو الأمر الذي يجعلنا الأن نسأل سؤالاَ حتمياَ هل حقا استطاعت الثورة ازاحة النظام كاملاَ برجاله وافكاره ومؤثراته ؟؟
تكمن الإجابة في تحليلنا للوضع الذي آلت اليه البلاد منذ ان تولى د. مرسي وجماعته شؤون الحكم في مصر، فبالنظر الى ما تم تحقيقه من إنجازات وتطور بمقابل مدى التدهور الذي وصلت اليه الأحوال في مصر يمكننا ان نجيب عن هذا السؤال في عدة نقاط واضحة:
-         مع ارتفاع نبرة المطالبة بمحاكمة رجال النظام على أثر سقوطه، اعطى المجلس العسكري الضوء الأخضر لملاحقتهم قضائياَ والبدء في محاسبتهم، وعلى مر أكثر من عام مضى استمرت تلك المحاكمات، واستمرت –وياللعجب -احكام البراءة لأغلب من تمت ملاحقتهم، فخرج كبار رجال الحزب الوطني من محابسهم الاحتياطية، وهو الأمر الذي قد يشمل مبارك ذاته في ابريل القادم عندما تنتهي فترة حبسه الاحتياطي ويحق له وقتها ان يتم الإفراج عنه، اذاَ لم يسقط رجال النظام السابق كما سقطت صورة حكمهم.
-         استمرار التدهور الاقتصادي ليصل لأبشع معدلاته و اكثرها رعباَ, فبعد الحديث عن الإفلاس و عن انخفاض الاحتياطي النقدي و انهيار العملة المصرية امام باقي العملات, تتخذ السلطة التنفيذية الحالية ذات التدابير و التصرفات التي سلكها سابقيهم من النظام القديم ربما ايضا بصورة اقل احترافية مما كانت عليه, فنقع جميعاَ تحت نظام دولة الجباية, ذلك النظام الذي يعتمد في اساس اقتصادياته على الضرائب التي يتم جمعها من ابناء الشعب على كل ما يمكن تخيله من سلوكيات اجتماعية و اقتصادية, لم يختلف الأمر كثيراَ اذا عن منهج النظام الاقتصادي للحكم السابق بل على الأقل كان بإمكان النظام السابق ان يحتال على الشعب ببعض الإصلاحات الصورية و المشاريع المتخيلة.
-         ما من مشكلة تعيشها مصر إلا وقد ازدادت تعقيداَ وتشابكاَ، لا تزال طوابير العيش ممددة على افق البصر رغم اقتراحات الحكومة البدائية لا الإنسانية التي تحكم بالتقشف فقط على ابناء الشعب بينما تنعم في رغد الرفاهية، مشاكل المرور والقمامة وازمات المواصلات والبنية التحتية كل هذا وأكثر من سيء الى اسوأ يوما بعد يوم.
-         والأن أصبح بيننا وبينهم دم، وعادت الداخلية لتقوم بدور ميليشيا الحاكم، ليسقط الشهداء يوما تلو الأخر ولتغرق شوارع مصر في دماء ابناءها الذين يعذبون ويسحلون ويعرون ويقتلون فقط لأنهم اختاروا ان يقولوا كلمة حق في وجه سلطان جائر لا هم له سوى تثبيت اركان حكم جماعته واستغلال سلطاته لتوظيف ابناءه وابناء اهله وعشيرته، غير مهتم بالدماء التي تسال على اعتاب قصره.
هنا تتضح الإجابة بجلاء ووضوح، فلقد تنحى مبارك حقاَ ولكن أياَ من عناصر نظامه لم يتنحى، إلا بثورة حقيقية جديدة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق