الاثنين، فبراير 11، 2013

محمد زكي الشيمي يكتب: صناعة عقلية القطيع.

ما الذي يميز المجتمعات المتقدمة والمتطورة عن المجتمعات الجامدة؟

ليست القضية بالتأكيد هي أسباب تفوق جينية أو وراثية ولا أياً من تلك الأفكار التي تشيع في النظريات العنصرية والفاشية، فكل البشر متساوون مهما اختلفت بينهم بعض الفروق الفردية.

الفارق هو في طريقة التفكير والتعاطي في كل مناحي الحياة، ولهذا فإن المجتمعات الأكثر تقدماً ينبع تقدمها من ديناميكيتها وقدرتها المستمرة على خلق الجديد واستيعابه بسرعة ضمن منظومتها فهي مجتمعات تنظر للأمام

بينما يسود الجمود المجتمعات التي تقوم دائماً على تكرار الأخطاء، هذه المجتمعات دائماً ما يتمحور تفكيرها ونظرتها للحياة نحو الخلف.
والسبب الرئيسي في أن هذه الحالة لا يتم الخروج منها عادةً إلا بتغير دراماتيكي يصنعه أفراد لديهم رؤية مستقبلية هو صناعة وتأكيد عقلية القطيع في هذه المجتمعات أي أن يكون المجتمع كله في اتجاه واحد دون أن يستخدم إمكانياته العقلية في أي اتجاه آخر.



فماهي المكونات الرئيسة إذن اللازمة لعقلية القطيع؟

سيكولوجية المنبر والمنصة : هي بالأساس عملية ترتكز علي متكلم واحد ومستمعين كثيرين ، المتكلم فيها يتحدث في كل أمور الحياة وما على السامعين إلا الإنصات والموافقة ، وعندما تكون طريقة التفكير والوصول لنتيجة في أي مجتمع حكراً علي فرد أو بضعة أفراد كلهم من أصحاب هذه المنابر ،فيما يتم تغييب الباقين كلهم ووضعهم في خانة المتلقي باستمرار، فإن هذا يخلق لدي أفراد هذا المجتمع نوعاً من الانقياد الأعمى لما يقوله هذا الفرد ويكسر بداخلهم منذ فترة مبكرة القدرة علي التحليل والمناقشة والوصول لنتائج بديلة خصوصاً عندما يتم إضفاء هالة من القدسية حول الواقف علي المنبر أو المنصة ،عندها تصبح كلمات الزعيم أو القائد أو رجل الدين أو أياً كان في هذه العملية كلاماً لا يمكن الحياد عنه لأنه ببساطة هو الصواب المطلق و تحصر الجموع كل تفكيرها فيما يقوله هذا الفرد ولا تفكر في شيء سواه(يبدو القذافي كنموذج واضح لهذه الحالة)
وهذا يناقض أسس التحليل و التفكير الجماعي واتخاذ القرار الجماعي، فيصبح دائماً هناك شخص ملهم أو عدة أشخاص يتولون التفكير والتخطيط لكل الباقين


إعلام مهمته الترويج لعبقرية الكاتب أو لعبقرية قائد القطيع وليس إظهار الحقيقة: عندما يصبح الكاتب أو المذيع التلفزيوني شخصاً كل مهمته هي إظهار أنه الوحيد الذي يفكر ،وأنا الوحيد اللي بأفهم والباقيين مش فاهمين حاجة ،فإنه يتحول هو أيضاً لأحد المنصات ولكنها منصة إطلاق لصواريخ العبقرية علي الآخرين

علي سبيل المثال فكلنا نري الصحف القومية التي يتغنى رؤساء تحريرها بمواقف القطيع باستمرار ومع ذلك فليست الحالة هنا مختصة بالصحف القومية فبالمقارنة فإنه في أحد الصحف المستقلة تجد دائماً طريقة غريبة لرئيس التحرير في الكتابة ،إنها ليست طريقة تعبير عن رأي أو مناقشة بل هي طريقة فوقية ، طريقة (أنا جبت التايهة يا ولاد) هذا الأسلوب مهما خلق من إعجاب مؤقت لدي القارئ أو المشاهد تحت تأثير الصدمة لكنه يؤدي بالضرورة آخر الأمر إلي استهجان ممن يستعملون عقولهم باستمرار فيما يقود إلي تحول الآخرين إلي جزء رئيسي من القطيع الذي يكرر بلا عقل


المنظومة الأبوية : يعتمد كل انسان منذ لحظة التكوين علي الآخرين ممن حوله ، وفيما يبدأ هذا باعتماد كلي في مرحلة كونه جنيناً فإن اعتماد الإنسان علي من حوله يتناقص تدريجياً بقيامه بمجموعة من الوظائف والمهام بمفرده إلي أن يستقل تماماً في نهاية سنوات المراهقة وتصبح علاقاته مع الآخرين تبادلية وليست اعتمادية في معظم الأمور
ولكن المنظومة الابوية هي منظومة لا يستقل الفرد فيها بحياته إلا في وقت متأخر جداً وربما لا يستقل بها علي الإطلاق ،فهو باستمرار معتمد علي المحيطين به في كل أمر مهما كان بسيطاً وفي مجتمع كالمجتمع المصري تمتلك الأسرة سيطرة كبيرة جداً علي حياة أبناءها الراشدين ، وطريقة تفكيرهم واتخاذهم للقرار وسلوكياتهم الشخصية بل حتي في اختياراتهم لقرارات مصيرية مثل العمل أو الزواج أو السفر ،الخ

وبالطبع فإن تبعية كل جيل بالضرورة للجيل الذي يسبقه يجعل هامش التغير و تقبل الجديد بين الاجيال هامشاً ضئيلاً جداً و يستلزم أجيالاً متعددة و يبقي الفارق الحضاري قائماً بمسافة ضخمة بين هذا المجتمع وغيره من المجتمعات لأن التغيير الذي يتم علي مدي ثلاثة أجيال يواكبه تغيير أخر علي مدي بضع سنوات في مجتمعات أخري فإذا أضفنا لهذا أن المجتمع الحديث كان يسبق المجتمع الأبوي أساساً بكثير عندما بدأت عملية التغيير فإن المحصلة أنه بمقارنة حركة المجتمعين معاً نجد ان المجتمع الأبوي في كل تطور له يبدو وكأنه يسير إلي الخلف نظراً لاختلاف السرعة النسبية في التغيير


أزمة النخبة في مجتمعات القطيع: هذا ينتج عادةً عن اختيار وتلميع العناصر الأكثر نمطية والأسوأ في المجتمع ، فبما أن تحقيق طفرات وتغيرات كبيرة يحتاج إلي مبدعين حقيقيين وإلي إصلاحيين حقيقيين فإن هذا يستوجب وجوداً وحضوراً علي الساحة لدفع المجتمع نحو الأمام

ولكن المجتمعات المتجمدة تتحول فيها وسائل الإعلام واماكن صنع القرار إلي أبواق ،ويتحول الكاتب أو المفكر الكبير إلي شخص يجيد الصياغة دون أي عمق حقيقي لما يقوله ، ويتحول المسئول الكبير إلي شخص مهتم بتلميع نفسه علي حساب المسئوليات الحقيقية ربما يحظى من وراء هذا بفرصة تدفعه أكثر نحو الأعلى

ولهذا فإن كل هؤلاء معاً يكرسون لفكرة القطيع ، فكل منهم كان جزءاً من القطيع ويسعي فقط إلي أن يتقدم الصفوف في القطيع وهذا لا يتم إلا إذا استطاع التأكيد علي ذات العقلية النمطية في عقول الناس ثم يظل يتحرك أماماً وسط القطيع دون أن يفكر ولو لمرة لأنه أصلاً غارق في ذات العقلية وأقصي أمانيه أن يكون هو ذاته قائد القطيع ولسبب آخر أحياناً إن هذا هو السبيل الوحيد للترقي ومن هنا فإنه عادةً ما تتميز المجتمعات الجامدة بأن غالبية ما يسمي بالنخبة فيها هم أشخاص أقل في كفاءتهم بكثير من المستوي المطلوب  ،مما يعرقل بشدة أي تغيير حقيقي في المجتمع

عندما تصبح النخبة مهمومة بتلميع نفسها علي حساب دفع المجتمع للأمام فإن هذا يقلب اولوياتها من رفع مستوي ثقافة الجمهور ، إلي اكتساب أكبر عدد من الجمهور وهذه العملية تقود في النهاية إلي انحطاط الذوق العام
أن تعبر عن رأيك بصدق يختلف كثيراً عن ان تعبر عن رأيك لاكتساب الشعبية ، فأنت في الأولي تعبر عن نفسك وتفيد المجموع وفي الثانية تعبر عن نفسك لتفيد نفسك فقط ولا مشكلة أن تساير المجموع أو أن تتدني لأقصي درجة لاكتساب الجميع

ويبدو هذا واضحاً من انتشار ثقافة الميكروباصات والبذاءة واللغة السوقية والأغاني الفجة والأفلام عديمة المضمون بل والتي تحوي أحياناً كثيرة مضموناً عنصرياً او طبقياً أو ذكورياً في قالب فكاهي ساذج في كل أنحاء مصر

الثقافة السمعية : بما ان تعدد مصادر الثقافة وتنوعها هو دائماً ما يخلق حالة الحراك ، فإن اقتصار البعض علي مصدر واحد للثقافة هو كارثة في حد ذاته، فكيف يكون الحال إذا انعدم هذا المصدر أساساً وتحول الأمر إلي مجرد تناقل شفهي من هذا لذاك؟

تعاني نسبة كبيرة من المصريين من الأمية الحقيقية وهؤلاء مصدر معرفتهم الوحيد هو السماع فهم فقط يسمعون من كافة أركان نظرية القطيع السابقة الأسرة والإعلام والأقارب ودور العبادة وأماكن العمل

لهذا فإنهم يعتمدون بالكامل في مواقفهم علي ما يردده من حولهم من أكلشيهات وجمل نمطية ويبدو مستحيلاً بالنسبة لمن يريد توعيتهم ان يكسر هذه الدائرة المفرغة
فإذا أضفنا إلي ذلك الأمية الثقافية والتي ابتلي بها معظم الباقين حتي ممن يعرفون القراءة والكتابة فإن المحصلة هي صفر كبير، فهؤلاء هم من يديرون الماكينة التي يستمع إليها الأميون وتظل الدائرة مفرغة 

التعليم التلقيني: إن اكتساب وتنمية مهارات التحليل والربط والاستنتاج هي أهم ما يميز العملية التعليمية الحقيقية ،ولكن عندما يصبح هدف العملية التعليمية هو تكريس كل عناصر المنظومة السابقة فإنه يحول الجميع إلي ببغاوات لا ينطقوا إلا ليكرروا ما سمعوه ،ولا فارق كبير هنا بين ما يردد هذا الببغاء أو ذاك ولا فارق إن كان صحيحاً او خاطئاُ، فمهما كان ما يقوله فإنه منقول عن آخرين دون أن يمر بأي مرحلة للفهم والتمحيص والدراسة والتحليل

قد يبدو كسر هذه المنظومة مستحيلاً ولكنه في الواقع ليس مستحيلاً بل إنه يحتاج إلي محاربين حقيقيين كل ما عليهم أن يقاتلوا لتحقيق غد أفضل لهذا البلد و أن يرفضوا ببساطة أن يرددوا ماء ماء



هل يمكن ان نكون بهذا الشكل بين الأمم؟


هناك تعليق واحد: