الأحد، فبراير 10، 2013

أحمد عسكر يكتب: زيارة نجاد للقاهرة

شهدت القاهرة زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في إطار التحضير لعقد القمة الثانية عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي المنعقدة في القاهرة هذا الشهر، وقد كانت ردود الأفعال سواء الداخلية أو الإقليمية من جراء تلك الزيارة توحي بحذر البعض من تلك الزيارة وما ستؤول إليه من تطور في العلاقات المصرية الإيرانية، وتوحي أيضا من تخوف وغضب البعض من التقارب المصري الإيراني وخاصة دول الخليج العربي التي تعتبر إيران تهديدا لأمنها القومي الذي يعتبر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ولكن هناك طرف ثالث مهم غائب عن المشهد وإن كان ليس غائبا عما يجري ويحدث، وهو الطرف الأمريكي الإسرائيلي.
تعد زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلي القاهرة هي أول زيارة لرئيس إيراني منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979 والتي أطاحت بحكم شاه إيران، الذي جاء إلي مصر واستقبله الرئيس محمد أنور السادات مما ذهب بالعلاقات الإيرانية المصرية إلي طريق مسدود، استمر التوتر فيها خلال عهد الرئيس السابق حسني مبارك خاصة بعد قيام المسئولين الإيرانيين بإطلاق اسم الإسلامبولي علي أحد الشوارع الرئيسية في طهران مما أدي إلي تعثر العلاقات بين البلدين، إلي أن قامت الثورة المصرية وأطاحت بالنظام، بدأ الحديث عن الانفتاح في السياسة الخارجية المصرية بما يحقق مصالح مصر القومية، وقد كانت العلاقات المصرية الإيرانية من أولي خطوات السياسة الخارجية المصرية نحو الانفتاح علي الجميع، ولكن هناك عدد من المعضلات تجعل علي صانع السياسة الخارجية المصرية أن يتوخى الدقة والحذر في إدارة التقارب المصري الإيراني خاصة إذا كان هذا التقارب سيضر بمصالح مصر مع دول أخري.
أحد هذه المعضلات التوتر في العلاقات العربية الإيرانية، ولعل أهم أسباب التوتر في العلاقات هي التدخل الإيراني في الجزر الإماراتية الثلاث، علاوة على العبث في الاستقرار البحريني عن طريق الشيعة البحرينيين، بالإضافة إلى الهلال الشيعي وخوف دول الخليج العربي من الهلال الشيعي الذي تقوده إيران وتصدير التشيع والثورة الإسلامية إلى الدول المجاورة " الإقليمية ".
لذا تأتي تلك الزيارة على الرغم من أنها تعد زيارة بروتوكولية كزيارة الرئيس مرسي إلي طهران في قمة عدم الانحياز منذ شهور قليلة ماضية، إلا أن التخوف من تطور العلاقات بين الجانبين خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإيراني منذ أسابيع قليلة وأيضا رئيس فيلق القدس " الحرس الثوري "، وتردد الأنباء عن استعانة جماعة الإخوان المسلمين بالخبرة الإيرانية في تشكيل أجهزة أمنية ومخابرات وتطور الأمر إلى الحديث عن تشكيل حرس ثوري في مصر على غرار الحرس الثوري الإيراني، على الرغم من نفي الجماعة والرئاسة كل ذلك.
ظهر الرفض الشعبي الداخلي لزيارة الرئيس الإيراني من جانب التيار الإسلامي والذي قام عدد من الحركات والتيارات الإسلامية المختلفة بتنظيم وقفة احتجاجية لرفض زيارة نجاد ومقابلة الرئيس مرسي وشيخ الأزهر، في ظل التخوف من قبل التيارات الإسلامية من تطور العلاقات وبالتالي توسع المد الشيعي في مصر السنية، ووصل الأمر إلي رفض الشيعة المصريين لوجود نجاد في القاهرة وحذروا جماعة الإخوان من تصدير ولاية الفقيه إلي مصر علي غرار ولاية الفقيه معبرين عن أن ولاية الفقيه في إيران ما هو إلا أداة لقمع المظاهرات وقمع الحريات في إيران عن طريق الحرس الثوري الإيراني الذي يقوم بأعمال عنف بشعة ضد المواطنين المدنيين.
ولم يتوقف الأمر عند التيارات الإسلامية فقد قام النشطاء السياسيون على مواقع التواصل الاجتماعي بانتقاد الرئيس مرسي، الذي تعهد قبل انتخابات الرئاسة بعدم مقابلة أي مسئول إيراني إلا بعد تغيير موقف إيران تجاه الثورة في سوريا، ولكن خالف وعده واستقبل الرئيس أحمدي نجاد، في ظل استمرار الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد ضد الشعب السوري.
أما عن موقف الدول العربية فنجد تغيب عدد من قادة الدول العربية كالسعودية والأردن والمغرب بالإضافة إلي تقليل الإمارات لتمثيلها في القمة، مما يوحي بوجود مشكلة حقيقية لمصر في محيطها العربي، وربما رأي البعض أن التقارب المصري الإيراني للضغط علي الدول العربية بأن البديل موجود في ظل مماطلة الدول العربية في تقديم المساعدات المقررة لمصر، وأيضا للرد علي التعنت الإماراتي في قضية التنظيم الإخواني في الإمارات، وإن كان الخاسر الأكبر من كل ذلك سيكون مصر في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي والتدهور الاقتصادي التي تمر به البلاد بالإضافة إلي التوتر السياسي في الشارع المصري وزيادة حدة المعارضة لنظام الإخوان المسلمين داخليا، فالوضع لا يحتمل  العزلة عن المحيط العربي، وأيضا ليس من مصلحة الدول العربية خسارة مصر أو معاداتها لثقل مصر في المعادلة في منطقة الشرق الأوسط ولمواجهة الخطر الإيراني في المنطقة.
أما عن الطرف الآخر والمهم في المعادلة الشرق أوسطية دائما، الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها إسرائيل، ففي ظل التحفز الأمريكي الإسرائيلي من التقدم الإيراني في العملية النووية، والعقوبات الغربية علي إيران، بالإضافة إلي الدعم الإيراني للنظام السوري، إلا أن زيارة أحمدي نجاد للقاهرة لن تقلق الولايات المتحدة ومن ثم إسرائيل، فجماعة الإخوان قدمت قرابين الولاء والطاعة للولايات المتحدة من خلال الضغط علي حركة حماس التوقف عن توجيه الصواريخ تجاه إسرائيل وممن ثم الثناء من قبل حكومتي البلدين، ومن قبلها وعود الوصول للسلطة بالحفاظ علي المصالح الأمريكية في المنطقة والحفاظ علي المعاهدات الدولية بين مصر وإسرائيل بالطبع، وهذا كل ما تريده الولايات المتحدة، ومن ثم فلا قلق لدي الولايات المتحدة وإسرائيل من هذه الزيارة.
خلاصة القول، السياسة الخارجية المصرية تجاه إيران لابد وأن تدار بطريقة ذكية سليمة يكون الهدف منها في المقام الأول المصالح القومية لمصر، ولا يجب أن يكون التقارب المصري الإيراني سببا في التباعد المصري عن الدائرة العربية التي ظلت ولا تزال وستظل جزء مهم من الأمن القومي المصري.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق