السبت، يناير 05، 2013

خالد عاصم يكتب: الفكرة والرصاص.

في الثامن من يونيو من عام ألف وتسعمائة واثنان وتسعون سقط فرج فوده شهيداً لأفكاره بعد ان انهالت عليه رصاصات إرهابية أطلقها بائع سمك ينتمي للجماعة الإسلامية، لم يقرأ حرفاً واحداً من كتابات فوده التي اغتاله بسببها، لأنه ببساطة لا يعرف القراءة ولا الكتابة. قد تبدو تلك الجملة بسيطة التركيب اللغوي كأي خبر تقرأه في الصحف اليومية، ولكن ان قمت بإعادة قراءتها مرة اخرى والتفكر فيها لوقت بسيط ستجدها وقد اختزلت كل ما يتعلق بالصراع مع المتطرفين من التيار الإسلامي، وشملت كل الخطوط العريضة الواجب التنبه لها حين دراسة ذلك التيار وطبيعته.
اولا فيما يتعلق باسم الدكتور فرج فوده و الذي لن يتسع مقالنا - و لا عشرات الكتب و مئات المقالات – للحديث عنه بالشكل الذي يستحقه, و تستحقه آرائه و اطروحاته و افكاره, و لكن دعونا نضع تلك التفاصيل جانبا و نُعَرِف دكتور فوده ببساطة بأنه احد اهم مفكري التيار العلماني في مصر على مر التاريخ الحديث عامةً و حقبة الثمانينات خاصةً, و قتها استطاع فوده ان يواجه خطر التصاعد المستمر للجماعات الإسلامية الجهادية و التكفيرية وحده لا يتسلح سوى بعقله و قلمه, حالة حال من ينبري الأن للدفاع عن الدولة المدنية – كمصطلح بديل عن الدولة العلمانية ( و الذي لا اعترف به من وجهة نظري الخاصة)- امام هجمة التيار الإسلامي المسيطر على الحكم في مصر, تواجههم بالقلم يهاجمونك بالسباب و التشهير في البداية حتى يصدر حكم استحلال دمك كما حدث مع فوده, او تأديبك من خلال ميليشيات مدربة كما يحدث الأن, و النماذج على ذلك كثيرة سواء في الماضر او الحاضر.
هنا يتبين كيفية مواجهة الإسلاميين للأفكار المتضادة معهم, و عدم قدرتهم على تحمل النقد و المصارحة الفكرية, مما ينتج عنه التخلي السريع عن مبدأ مواجهة الكلمة بالكلمة و الفكر بالفكر ليحل محله مبدأ استخدام العنف لفظيا كان او ماديا, مبررين هذا بأن التعارض معهم و نقدهم يعني تعارضاَ و نقداَ للإسلام ذاته كدين, مستندين على ذلك بقناعتهم بأنهم وحدهم من استطاع الفهم الكلي الصحيح للدين و بأنهم معصومون منزهون و بأن معارضيهم كافرون او مضلون على اقل تقدير, مما يعني انه من الطبيعي الحجر على افكارهم او تشويههم او القضاء على حياتهم بعد اتهامهم بالارتداد و الكفر, كما هو الحال مع فوده الذي رفع قلمه سلاحا في مواجهة الجهل و التخلف, مستندا على رؤيته الفلسفية للمجتمعات المدنية الحديثة التي استطاعت النهوض و التطور بتطبيقها للتجارب العلمانية, مرتكزا على وعيه بأن الدين - كدين لا كنظام سياسي - لا يتعارض مع تطبيق اي نظام خطه البشر, خاصة اذا كان بمقدور هذا النظام ان يكفل لهذا الدين ضمان حريته و حرية افراده, لم يردوا على كلماته و افكاره بما يضعفا و يثبت حججهم بل افتى كبار شيوخهم – منهم من كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين – بارتداده و حل دمه, فاخترقت رصاصات جهلهم جسده فأودت بحياته و لكنها زادت افكاره خلوداَ. هكذا فقط يواجه التيار المتطرف معارضيه وهو الأمر الذي يتأكد لنا من خلال ما نعاصره حاليا من تعدي واضح منهم ومن انصارهم على كل من ينتقدهم او يعارضهم، حتى تخطى الوضع حد الاغتيال المعنوي ليصل لحد الاغتيال المادي الفعلي، وتلك هي النتيجة الأولى التي نستطيع فهمها من الجملة التي تصدرت المقال.
قاتل فوده كان جاهلا لم يقرأ حرفا مما كتبه، كما هو حال من حاول اغتيال نجيب محفوظ. جهلاء بأمور دينهم ودنياهم، بسطاء، فقراء او ناقمون على المجتمع الذي يلفظهم بين الحين والأخر، إذا فهم بيئة خصبة لفرض السيطرة عليهم من قبل الجماعات الإسلامية، وان كان لتلك القاعدة شواذ تتعلق فقط بمن يفكرون ويخططون لتلك الجماعات، اما أذرعها او "العضلات" فيفضل بالتأكيد ان تنطبق عليهم كل او أيا مما سبق، فمن هنا تأتي قدرة الجماعات الإسلامية لفرض سيطرتها الكاملة على عقول هؤلاء، مستغلين الدين لغسل عقول هؤلاء ومن ثَم سلب إرادتهم وتحويلهم الى آلات للقتل تأتمر بأمر امير الجماعة او التنظيم. يختلف الأمر من حيث المعايير حين نتحدث عن كيفية اختيار الأعضاء الأساسيون او العاملون بجماعة الإخوان المسلمين, و الذين اما ان يكونوا ابناء عائلات اخوانية تربت على مبادئ السمع و الطاعة و تعطيل العقل, او يتم انتقاءهم من مراهقين يترددون على المساجد ساعين لإيجاد الحقيقة, و هؤلاء يتم تلقيهم و تربيتهم هم ايضاً على مبادئ السمع و الطاعة و تعطيل العقل, ليصبح الناتج النهائي مجموعة من الأفراد المنقادين لقياداتهم دون ادنى محاولة لفهم الأوامر التي يتلقونها و بالتالي يسهل تحويلهم هم ايضا لأدوات قتل او تصفية معارضين, كما هو الحال مع ما نعاصره اليوم و صرنا نراه كل يوم من اعضاء جماعة الإخوان المسلمون و ما يقبع تحت عباءتها من جماعات.
اذاً علينا ان ندرك حقيقة من يواجهون الفكر بالجهل، والكلمة بالرصاص، علينا ان ندرك الفارق بين من تربى على إعمال عقله وتقديس ارادته الحرة وبين من تربى على اسكات عقله وسلب ارادته وعلينا ان ندرك لمن سيكون المستقبل. كما عليهم هم ان يدركوا ان الرصاص قد يميت الجسد ولكن الأفكار لا تموت، وبأنهم عليهم ان يواجهوا جيلاَ كاملاَ تربى على افكار فوده الحرة ولن يخشى رصاصات قاتله الغادرة.

هناك تعليق واحد:

  1. مشكووووور وبارك الله بيك

    عاشت الايادي

    والى الامام

    ردحذف