الثلاثاء، يناير 22، 2013

نور رشوان تكتب: لنا الله...

شهدت مصر قبل ثورة 25 يناير العديد من الكوارث المأسوية، والتي كانت وقتها نتيجة متوقعة لعمليات الفساد والإهمال الموسعة التي شهدتها كافة مؤسسات الدولة طوال فترة حكم مبارك، وظلت مصر طوال تلك الفترة تدفع ثمن هذا الفساد من كرامة ودماء مواطنيها، إلى أن قامت ثورة 25 يناير، واعتبرها الشعب بمثابة السفينة التي سيعبر بها دولة الظلم والإهانة، إلي دولة العدل والكرامة الإنسانية
وعلى الرغم من هذه الآمال التي وضعها الشعب على ثورة 25 يناير، إلا أن الوضع للأسف قد ازداد سوءا، وأصبحت دماء المصريين أكثر إهدارا، فمنذ بداية المرحلة الانتقالية، وحتى وقتنا هذا، شهدت مصر العديد من الكوارث المأسوية التي يندي لها الجبين، وتقشعر لها الأبدان، وتكاد تكون -عند روايتها لشخص بعيد عن الأحداث -بمثابة أسطورة يصعب تصديقها، حيث امتدت هذه الكوارث المأسوية لتودي بحياة فئات من الشعب لا يمكن توقعها، بداية من مشجعين كرة القدم، مرورا بأطفال المدارس، انتهاء بمجندين لم يتجاوزوا بعد العشرين من عمرهم
وكالعادة، وفي كل كارثة، نجد أن هناك العديد من المبررات التي يتم تسويقها لتبرئة النظام من المسئولية، فنجد على سبيل المثال انه تم تبرير حادث بورسعيد، بان البلاد تمر بمرحلة انتقالية، وان مثل هذه الحوادث أمر طبيعي يحدث في أي دولة.
ولكن بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، وانتخاب رئيس للجمهورية، وارتفاع معدل الكوارث، اختلف الوضع، وأصبح التبرير الأساسي لأي كارثة، هي أنها ارث كبير لفساد نظام مبارك، وان النظام الجديد لا يستطيع إصلاح فساد ثلاثون عاما خلال ستة أشهر فقط
وفي الحقيقة -ولكي نكون على قدر من الإنصاف -فان نظام مبارك تقع عليه جزء من المسئولية، إلا أن هذا لا يعفي النظام الحالي أيضا من تحمل جزء كبير من هذه المسئولية، فإذا كان نظام مبارك هو المتسبب في صنع الأزمة، فان نظام مرسي هو المسئول الأول -بحكم موقعه -عن التعامل مع هذه الأزمة
وعند تقييم استراتيجيات تعامل نظام مرسي مع الكوارث التي شهدتها مصر على مدي الستة أشهر الأخيرة بصورة عامة، نجد أنها بمثابة استراتيجيات فاشلة، تتلخص كل مرة في خطاب عاطفي، واستقالة الوزير المسئول عن الهيئة التي تتبعها الكارثة، وتعويضات لا تذكر، ولجنة تقصي حقائق تختفي بعد وقوع الكارثة بعدة أيام
وبالإضافة إلي هذه الاستراتيجيات، نلاحظ أيضا أن هناك حالة قصور تامة تعاني منها الدولة عند التعامل مع الكارثة في كل مرة، فعند تحليل المشهد المتعلق بحادثة قطار البدرشين، نجد أن هناك غياب كامل لكافة مؤسسات الدولة، وتتمثل أولي هذه المؤسسات في وزارة النقل التي لم تقم بوضع أو حتى طرح أي سياسات بديلة لعلاج الخلل الذي تشهده منظومة النقل في مصر، فعلي سبيل المثال بعد وقوع كارثة قطار منفلوط، كان من المفترض ان تقوم الوزارة بطرح خطط ورؤى تكون بمثابة خطوة أولية يمكن من خلالها معالجة الفساد والإهمال المستشري في "هيئة سكك حديد مصر"، إلا أن هذا لم يحدث، وهو ما نتج عنه وقوع كارثة قطار البدرشين، أما ثاني هذه المؤسسات فتتمثل في وزارة الصحة، والمستشفيات التابعة لها، والتي يمثل الوضع بها مأساة بمعني الكلمة، فشاهدنا خلال هذه الكارثة خلو المستشفيات -القريبة من موقع الحادث- من ابسط الأدوات والإسعافات الأولية، وهو ما أزاد الوضع تفاقما، أما ثالث هذه المؤسسات فتتمثل في مؤسسة الإعلام، والتي كان من المفترض أن تعدل من سياستها المخزية بعد قيام الثورة، إلا أن هذا لم يحدث، بل استمرت في إتباع نفس السياسة، حيث امتنعت القنوات المصرية عن تغطية الحادث، أو حتى الإعلان عنه، إلا بعد ساعات طويلة من وقوعه
وفي النهاية، وبعد غياب كلا من رؤى الإصلاح من قبل الدولة، والضغط الشعبي من قبل المواطن -الذي يكتفي في كل كارثة بجمع أشلاء الضحايا، ثم البكاء عليهم، ثم الدعاء بان يحتسبهم الله شهداء -لم يعد لنا سوي الله



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق