الخميس، يناير 10، 2013

الطريق الطويل والوعر نحو الديمقراطية العلمانية.

الكاتب / نيك دانفورث. المترجم / ياسر محمد فرج

بعد نجاح الأحزاب الإسلامية في الانتخابات بتونس ومصر، يطرح أمامنا سؤال صعب مرة أخري وهو: كيف يمكن أن يجتمع الاسلام والديمقراطية؟ وللأسف، دارت مناظرات طويلة حول مدي صعوبة الفصل بين الاسلام والدولة، وغالبا فان هذه المناقشات لم تفهم بوضوح مسار تطور العلمانية في أوروبا المسيحية

 بعد عقود من المناقشات ما يزال كل طرف متمسك بحجته، فهناك من يقول إن المسيحية كانت أكثر علمانية من الاسلام، والبعض الأخر يري هذا الأمر سخيفا ولا يستحق حتى مناقشته. لكن لبعض التكهنات خطورته. فهناك طرف يري أن هناك فروق جوهرية بين الاسلام والمسيحية يقفزون غالبا الي استنتاجات مفادها أن الديموقراطية لا يمكن أن تتحقق فعلا في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي وأن الحكم الشمولي هو الخيار الأسلم. أما الطرف الأخر فيري أن المسيحية والاسلام متشابهان فلا يمكنهم تفسير سبب نجاح الأحزاب الاسلامية الا أنه ردة فعل علي الحكم الشمولي العلماني الذي ساد في هذه الدول. ان معرفة سلسلة الأحداث التي أدت الي الوصول الي الديموقراطية العلمانية في أوروبا سوف يساعد كلا الطرفين أصحاب النظرة المختلفة أن يفهما شكل أفضل التحدي الذي يواجه الشرق الأوسط الأن

 هناك بالفعل اختلاف تاريخي هام في العلاقة بين الدين والدولة في كلا من العالم المسيحي والاسلامي -, لكن بالتأكيد ليس هذا بسبب أن المسيحية أكثر علمانية من الاسلام كما يعتقد البعض. بالأحرى، فان الفصل بين الدين والدولة أخذ شكلا ناتجا عن وجود ممثل للمسيحية هو الكنيسة الكاثوليكية أو الفاتيكان التي ظلت على مدار ألف عام تحارب عدم الفصل بين الدين والدولة، وكان الأمراء والملوك بهذا الوقت متفقين مع قادة الكنيسة على ألا يتم الفصل بين الدين والدولة، وكان الخلاف الوحيد الدائر بينهما هو على من يجب أن يمسك بزمام الامور.
 بعد سقوط الامبراطورية الرومانية، ظل البابا محافظا على سلطاته وقيادته للكنيسة وممتلكاتها الواسعة الممتدة حتى اوروبا الغربية. وكثيرا ما أدخلت صلاحيات البابا الواسعة في صدام مع الملوك بهذا الوقت حول تحديد أراضي الكنيسة او تعيين الاساقفة الخ، فالكنيسة كانت تحشد قوتها وحلفائها ضد هكذا قرارات. وهذه التصرفات سببت استياء بعض الحكام الاوروبيين من بابا الكنيسة مثل شارلمان وبعض الاباطرة الرومان وفيليب الرابع ملك فرنسا، الي جانب طرح التساؤل عن هل الملوك هم من يجب أن يعينوا البابا، أم البابا هو من يجب أن يعين الملوك. كلا الجانبين كان ليسعدهم طبعا أن يلعبا دور الخليفة الاسلامي الذي كان يمثل كلا السلطتين الروحية والزمنية ويمتلك في يده سلطة مطلقة. لكن برغم ذلك ظل كلا الطرفين محتفظين بصلاحياتهما ولم يكن هناك جانب يملك اليد العليا على الطرف الاخر إلا نادرا


الحالة المختلفة في العالم الاسلامي يمكن تفسيرها بشكل جزئي بسبب غياب قوة معادلة للفاتيكان به. فعلي سبيل المثال، قام السلطان سليم باحتلال مصر عام 1517 قام بجعل مقر الخلافة في اسطانبول، والي جانب كونه حاكم سياسي فقد جعل القيادة الدينية أيضا تحت تصرفه وسلطته

ويمكننا من منظور أخر ان نقول, ان السلطان سليم نجح فيما فشل فيه الملك فيليب الرابع بالقرن ال14 بعد أن حاول صنع بابوية فرنسية في أفينون لتكون خاضعة له وتكون بديلا للفاتيكان 


ومن المفارقات، أن الاصلاح البروتستانتي في نواحي كثيرة منة كان خطوة للوراء في سبيل الفصل بين الكنيسة والدولة في أوروبا. فحتي يتم التحرر من قبضة الفاتيكان، قام هنري السادس بجعل نفسه في منصب شبيه بمنصب الخليفة الاسلامي. وعلى مدي عدة قرون بعدة حكم العديد من الملوك الانجليز كقادة للكنيسة والدولة معا، في حين أن بلادهم تطورت الي دولة ديموقراطية ليبرالية وأصبحت قوة عظمي صناعية. أما الصورة التي ظهرت بعد ذلك في أوائل القرن العشرين من تباين صارخ بين الكنيسة والدولة فكان سببها هو الثورة الفرنسية التي أزاحت الكنيسة تماما علي يد رجال مثل روبسبير وجاريبالدي, وبرغم ذلك ظلت الكنيسة موجودة وممثلة في الفاتيكان بروما واضطرت علي مضض للقبول بمكانها الجديد في عصر الديموقراطية والليبرالية والتقدم الخ. وفي نفس الوقت بتركيا الحديثة قامت الثورة الاتاتوركية بحذو خطي الثورة الفرنسية والغاء الخلافة، وبالطبع لم تكن هناك معارضة الا قليلا أثناء اتباعه للإصلاحات العلمانية نظرا لغياب المؤسسة الدينية الاسلامية التي كانت تمثلها الكنيسة على الجانب الاوروبي المسيحي. لكن هذا التوازن والصراع الطويل بين المؤسسات (الكنيسة والدولة) في أوروبا، لم يحدث في الشرق الأوسط 

إذا ما هي الدروس المستفادة عند التعامل مع الإسلاميين اليوم؟ 
الدرس الأول: والذي يقترح أنه عند تقييم الحكومات الإسلامية يجب أن ننتبه الي المؤسسات الي جانب المرجعية الايديولوجية. ما يهم ليس فقط الميول الدينية للحزب الحاكم، بل البنية العضوية للمرجعية الدينية التي يقوم بتقديمها. الحذر من المعارضة الدينية التي ظل يحاربها جيل من الديكتاتوريين ويفعلوا كل شيء من أجل وضع الدين بكل نواحيه تحت سيطرة الدولة. وكنتيجة لذلك، فان الاحزاب الاسلامية الحاكمة الأن (والفضل يرجع للأنظمة الديكتاتورية الحاكمة سابقا) هي في وضع يسمح لها ليس فقط بالسيطرة علي الدولة، بل والسيطرة على الدين بكل نواحيه كما كانت تفعل الديكتاتوريات العسكرية من قبلة

 الدرس الثاني: والذي يقودنا الي نتيجة مفادها، ألا ننتظر أن تصل المجتمعات الاسلامية الي الديموقراطية العلمانية كما حدث في أوروبا. فالنموذج العلماني في بريطانيا والدول الاسكندنافية تطور تحت ظل اتحاد الكنيسة والدولة، بينما النموذج العلماني في فرنسا وايطاليا مثلا ظهر نتيجة انتصار الدولة علي الكنيسة. ولا يوجد أي سبب يدفعنا للاعتقاد أن الدول الشرق أوسطية تحتاج لاستنساخ أي من النموذجين أو الدعوة لظهور مارتن لوثر اسلامي أو اجراء اصلاح ديني فكل هذه الأشياء غير مفيدة باختصار. فهذا المنهج يعني أن الديموقراطية هي حكر على العالم المسيحي أو يفترض أن العلمانية في أوروبا كانت نتاج تنوير ديني وليس سياسي. علي صناع القرار في الغرب بدلا من محاولات الدفع المستمرة بحلول سريعة تختزل تاريخ طويل ومعقد، عليهم أن يتحلوا بالشجاعة والصبر ويتركوا التطور السياسي بالشرق الاوسط يأخذ شكلة ومسارة الطبيعي.






رابط المقال الأصلي:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق