الأحد، ديسمبر 23، 2012

أحمد علي يكتب: الحداثة والعقل التقليدي الرافض لها

الحداثة كمفهوم يشير الى المشروع الحضاري الأوروبي الذي صاغته الطبقة الرأسمالية الاوربية الصاعدة على أنقاض المجتمع الإقطاعي، والحداثة كما يقرر عالم الاجتماع البريطاني " انطونى جيدنز" تقوم على عدة اسس. اول هذه الاسس هو" احترام الفردية "بمعنى اعطاء الفرد باعتبارة كيانا مستقلاً، حقوقه السياسية في ظل نظام ديموقراطي يؤمن بالتعددية السياسية والحزبية، وحقوقه الاقتصادية وحقوقه الاجتماعية والثقافية. الاساس الثاني هو " العقلانية “التي تنعكس على عملية صنع القرار لان هذه العملية لا تتم في الغرب بصورة عشوائية التي تتم في البلاد العربية بمعنى لابد ان يكون لها منهج علمي، الاساس الثالث هو الاعتماد على العلم والتكنولوجيا لإشباع الحاجات المادية وتلك الأخيرة قد عبر المجتمع الصناعي عن هذه الحداثة الغربية ولكن كيف يتم رفض الحداثة من البعض في العالم العربي والإسلامي؟ يمكن القول ان السبب هو الخلط بين الحداثة الثقافية كمشروع حضاري وعملية التحديث التي تعنى تطوير مجتمع ما كالمجتمع الزراعي كي يتحول لمجتمع صناعي، فالحداثة هي افكار من اجل الاصلاح بل ان أحد مكوناتها هو صياغة قانون حديث يحكم المعاملات بين الافراد ويحدد العلاقات بين المواطنين والدولة بمعنى سيادة القانون الذي يحمى التعددية الذي يراها الخطاب الإسلامي الذي يستند على الماضي ويتعامل مع الغرب كأنه كيان واحد رغم ثقافاته المتعددة. وبالتالي الحداثة ظلت جزء من معركة السياسة
والاشكالية التي نحاول ان نطرحها هنا كيف ان يتم اختزال الحداثة في الجانب المادي لها فقط واهمال بل غياب الجانب الثقافي للحداثة؟ بل والرفض لها بادعاء رفض أحد ابعادها وهو العلمانية، وجدلية الثنائيات المتضادة لقبولها مثل" الاصالة في مقابل المعاصرة والحداثة" "والهوية في مقابل التعددية الثقافية" على الرغم من ان التعددية والتنوع تؤدى الى الوحدة وليس العكس.
يمكن ان نميز بين نمطيين  بل عقلين في تناول واستيعاب الحداثة  النمط الاول هو العقل التقليدي واحد اهم سمات ذلك الخطاب او العقل هو التشبث بالماضي الرافض للهوية تمسكا ومحافظا على الهوية وهو خطاب يهرب من مواجهة الواقع ولا يعترف بالتغيرات العالمية والقاء مسئولية التأخر العلمي والحضاري على الغرب وهو عادة يتبنى نظرية تأمريه عن التاريخ ويقع بعض تيار الاسلام السياسي الرافض للحداثة في ذلك رافضين الحداثة السياسية والتي اساسها الديموقراطية ويرفض الحداثة لأنها تغريب بمعنيين الاول: ان تغريب الاسلام بحيث يصبح غريبا بين اهلة وثانيا : ان ذلك اقتضاء بالغرب الذى يريد ان يمحو الهوية ، اما الخطاب " العصري" هو خطاب عقلاني يؤمن بالتطبيق الدقيق للمنهج العلمي ويتبنى رؤية نقدية للفكر والمجتمع والعالم وهو خطاب منفتح على التجارب الانسانية المتنوعة ، يأخذ منها بلا تعقيد ويرفض بعضها من موقع الفهم والاقتدار ، وان الحقيقة بالنسبة له نسبية والسبيل لمعرفتها هو الحوار الفكري  والتفاعل الحضاري ، ولا يدعو الى مقاطعة العالم او الانفصال عنه ولا يدعو  الى استخدام العنف والقوة .
ان الثورة الحقيقية التي ادت الى نهضة اوربا تناولت البناء العقلي، والنهضة التي قامت في مصر كانت دعوتها يقظة العقل وربط النتائج بأسبابها الصحيحة وأبرز الداعيين الية هو الامام محمد عبدة فالعقل وحدة هو الكفيل بان يجد الحكم الصحيح لكل ظرف وزمان جديد فالإنسان في الاسلام عقلة هو ما يهدبه الى سواء السبيل ومن هنا تنبع "الفردية العاقلة المسئولة" كما تحدث عنها الدكتور ذكي نجيب محمود.
ظهرت الحداثة الاوربية باهتمام اكبر  مع نقل رواد التنوير تلك التجربة من رفاعة الطهطاوي والأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبدة وهؤلاء مشايخ الاصلاح والدولة المدنية فالطهطاوي تحدث في كتابة " تلخيص الابريز" عن فوائد الدولة المدنية الحديثة التي رأى ثمارها في اوربا ، وان التميز الحاسم بين الديني والدنيوي ليس الغاء للديني ، ومن ثم يحل مفهوم المواطنة بدل من الرعية ، كما يحل العقد الاجتماعي محل العقد الديني وهو ما ظهر في ترجمته للدستور الفرنسي 1830 ، وما اكده من قبل جمال الدين الأفغاني من فصل السلطة الروحية الدنية عن السلطة الزمنية ثم اكمل الكواكبي في العلاقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي في كتابة طبائع الاستبداد .
بل ان أنصار هذا الخطاب الثاني يرؤن ان الدولة المدنية وهي جوهر الحداثة هي وسيلة التدين في المجتمع لان داخل الدين الواحد اشكال والوان من التدين يشكل روحانيات كل فرد التي يفهمها عن غيرة بمنطق الايمان.
فاذا نظرنا الى الحداثة في مصر كما يقول "وولتر ار مبرست" ان هناك جدلية في البنية الداخلية وهي التوتر الحتمي بين مكوناتها الاساسية ومن اوضح تلك التوترات جدلية متطلبات التحديث ومتطلبات التأصيل فالأولى ترتكز على الاجراءات العلمية اما الثانية تركز على الاجراءات العاطفية التي تطلبها عملية الدمج الثقافي الاجتماعي القائمة على التواصل، وعلى الرغم من ان الحداثة المصرية عقلانية الا انها ترتكز بشكل أكبر على التواصل والمحافظة على الماضي والسبب فى ذلك يرجع جزئيا الى انها مرتبطة بشكل عضوي بالفكر القومي.


                

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق