الأربعاء، ديسمبر 19، 2012

ديفيد بروكس يكتب: لماذا نحب السياسة

بقلم :ديفيد بروكس ترجمة: ياسر محمد

نحن الآن نعيش في لحظه معادية للسياسة، عندما يعتقد كثير من الناس ومن الشباب خصوصا أن السياسة لعبه دنيئة، قذره، فاسده وأنها في العادة عمل غير مربح.
وأنه من الافضل أن تقدم خدمات اجتماعيه او تريح نفسك من هذا الضجيج كله.

أنا أتمنى من كل الذين يحملون نفس هذا التصور والمزاج الكارة والمعادي للسياسة أن يذهبوا لمشاهدة فيلم
Lincoln
 وهو من اخراج ستيفن سبيلبرج ومن تأليف توني كوشنر.
 وهذا الفيلم يصور نبل السياسة بالشكل الصحيح تماما. انه يظهر أنك تستطيع القيام بالكثير من الاشياء الجيدة عبر السياسة عن أي مجال أخر. مثل انهاء العبودية واتاحة الفرص ومحاربة الفقر الخ. لكنك مع ذلك لن تستطيع أن تحقق مثل هذه الأشياء النبيلة إلا إذا كنت مستعدا وقادرا على أن تلطخ شخصيتك من أجل خدمة الاخرين. أن تكون قادرا على الإرباك والتراجع والموائمة والمرونة وأن تصبح باختصار شخصا منافقا.

ان التحدي السياسي يكمن علي وجه التحديد في المزاوجة بين الرؤية السامية والمكر الدنيء.
 وفيلم لينكن لسبيلبرج أدرك هذه النقطة جيدا، فالبطل يملك الرؤية الاخلاقية العالية لكنه أيضا يملك الشجاعة لاتخاذ قرار أخلاقي خطير من أجل تحقيق هذه الرؤية علي أرض الواقع.
 لكي يقود بلاده خلال حرب، ولكي يمرر أفكاره عبر الكونجرس، ابراهام لينكن شعر أنه مجبر علي تجاهل قرارات المحكمة، ان يرعي الفقراء، ان يمارس العابا قانونيه، ان يخدع أنصاره، متقبلا لحقيقة انه كل مره يواجه فيها مشكله ينتهي به الامر الي صنع مشاكل آخري.
السياسة لعبه نبيله لأنها تنطوي علي تنازلات شخصيه من أجل المصلحة العامة، هذا الفيلم يحتفل بأناس تمتلك الحكمة والقدرة علي ضبط النفس والقدرة علي الطموح والقوه الكافية للقيام بهذا العمل.
هذا الفيلم يوضح شيئا أخر الا وهو ان السياسة هي أفضل مكان لتطوير القيم والمبادئ العليا.
السياسة تحتوي علي سيل من التجارب الشخصية المحفوفة بالمخاطر: الي اي درجه تستطيع ان تنحني لتحقيق الانتصار دون أن تخسر نفسك، متي يجب ان تكون وفي لفريقك ومتي يجب ان تتخلص من هذا الولاء، كيف تقاوم اغراءات الشهرة التي تحدث للبعض وتظل كما أنت، كما فعل ابراهام لينكن وجورج واشنطن وونستون تشرشل وهي نماذج مثيره للإعجاب.
 هذا الفيلم يظهر مسار بناء شخصية لينكن من بين وسط العديد من السياسيين العظماء وقتها، في هذه المرحلة هذا القائد يعبر ويفصح عن أفكار عظيمه. وبصراحه ذلك قد يكون سهلا نسبيا فالعديد من الناس تحمل مثل عظيمه أو ايديولوجيات شاملة لكنهم رضوا ان يصبحوا سذج اخلاقيا وغير ناضجين سياسيا، فهم يرفضون الحلول الوسط ويهينون خصومهم ومعارضيهم ويتقوقعوا حول أنفسهم وأفكارهم فقط.  لكن سياسي مثل لينكن اخذ الخطوة التالية في المسار. فهو أصبح يتعامل مع الاخرين، فهنا نراه بالفيلم وهو يقدم التعديل الثالث عشر في مجلس النواب ومجموعه من النشطاء السياسيين الذين قام بتأجيرهم ليقوموا بمراقبة وتحديد من من نواب الكونجرس ينفع معه الاستمالة بالخطاب العاطفي ومن منهم ينفع استمالته بالمال.
لينكن قام بلعب العديد من التحولات الممكنة، فهو يلعب علي وتر كل شخص هنا فتارة يقوم بجذب انتباه هذا الذي لديه حس من المثالية، وتاره اخري يقوم بجذب انتباه ذاك الذي لديه دافع من الولاء وهكذا في تناغم يشبه ما يفعله الموسيقار في حفل موسيقي، وكانت أصعب مهمة أمامه هي كيفية استمالة المؤمنين بهذا التعديل المقترح منه لكي يقولوا أشياء غير مقتنعين بها في حركه مفتعله لكي يضغطوا علي المترددين حتي يتم تمرير هذا التعديل الدستوري.
وهذا يقودنا الي الخطوة التالية في مسار بناء الشخصية وهي مرحلة الانفراد في القيادة، مع نهاية الحرب الاهلية، كان عليه ان يختار بين اختيارين جيدين وهما: السلام الفوري و القضاء علي العبودية بشكل نهائي لينكن كان عليه ان يماطل ويطيل في أمد عملية السلام حتي يحفظ حياة الأف من الناس من أجل ان يحقق هدفة الاكبر .
لينكن كان يحاول ان يجعل الأمور الجيدة والمساواة القانونية هي أولوياته من وسط تشعب وتشابك بية القضايا الأخرى. لينكن كان عليه أن يستخدم نهج ثابت من الكلمات والقصص والتلميحات والحجج لكي يجامل ويداهن الناس. لينكن كان عليه ان يتعايش يوميا مع حشد من أصحاب الطلبات الواقفين على بابه دون أن يشعر بالتذمر أو الاستعلاء عليهم.
  لو كان هناك شيء قلل الفيلم بشأنه فهو مدي صعوبة العملية السياسية، فالقضية الأخلاقية الواضحة نسبيا هنا هي شيء واحد: اما عبودية أو لا عبودية، لكن أغلب الامور الأخرى ليست بهذه السهولة.
سياسيون من الوزن الثقيل الذي يمكنهم الإبحار وسط التحديات عبروا عن اِعجابهم الكبير بخطبة لينكن الافتتاحية الثانية بالفيلم، وهي الخطبة التي أقر فيها وجود غموض أخلاقي من الطرفين  والتي كان فيها لينكن وسط نزاع لكنه بحكمته استطاع ببراعة انتزاع نقطة لصالحة من خلال أسلوبه في طرح واستخدام ورقة المعاناة الانسانية الخ .
ان السياسة لا تنتج الكثير من أمثال ابراهام لينكن، ولكنها تنتج بعض السياسيين المثيرين للأعجاب وفي بعض الاوقات 
تعطي نتائج عظيمة.





رابط المقال الأصلي :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق