الجمعة، ديسمبر 14، 2012

محمد نبيل جامع يكتب: قل لا للدستور قبل أن تندم


لن آخذك في متاهات المواد والتعليق عليها حيث أن الوقت لن يسمح إلا بالتعبير عن الانطباعات العامة،
وسأترك لسيادتك التعمق في مواد الدستور إذا كان لديك الوقت

1. الدستور طبخة مقدمة إليك من جمعية تأسيسية متحيزة لتيار "الإسلام السياسي"، الذي أعتبره شخصيا هاج وماج كالجمل الهائج في ميدان السياسة دون تأهيل وكفاءة ودون اعتبار لمخاطر الفتنة الطائفية ومخاطر سيطرة النزعة الدينية على بناء الدولة الحديثة بعد ثورة هدمت نظاما فاسدا وتسعى بكوادر مصر الخبيرة مثل البرادعي وأمثاله الكثيرون جدا لبناء دولة ديمقراطية مؤسسية حديثة يستطيع أي تيار أن يمارس السياسة فيها بحرية وانضباط. 

2. مع عشقنا لأهلنا وأبنائنا بالجيش المصري ومؤسسته الفتية العظيمة والشرطة المصرية كذلك، الدستور يعطي للسلطة العسكرية قوة سياسية وهيمنة عسكرية على القرارات الاستراتيجية الوطنية ودعماً للاقتصاد العسكري الذي يمثل 30-40% من الاقتصاد الوطني، مما يُشغل الجيش عن مهمته الأساسية الدفاعية والتصنيعية العسكرية، كما يمنع الشفافية والرقابة على الميزانية العسكرية بادعاء السرية، علما بأن إسرائيل وأمريكا يعرفون أدق الأسرار العسكرية. وأرجو من قيادة الجيش قبول اعتذاري عن تلك النقطة، ولو بعصر ليمونة عليها، وأرجو أن أقتنع بعكسها.

3. الدستور المفصل (236 مادة) يعطي فرصة للخطأ الدستوري، ويحتوي على ثغرات كثيرة للتسلل إلى الباطل من وراء ادعاء الحق. وقد أحصت المصري اليوم وحددت عدد 22 مادة بها استثناءات، و26 مادة متناقضة، وخمس مواد غامضة. وشكرا للمصري اليوم على هذا الجهد الكبير.

4. حرية التعبير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية منقوصة بسبب إتاحة الفرصة لحبس الصحفيين والإعلاميين وإمكانية غلق وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، والسلطات الفائقة لرئيس الجمهورية في تعيين قيادات الأجهزة الرقابية والتنفيذية والهيئات والمجالس الجديدة، وضعف المواد المتعلقة بالعدالة الاجتماعية مثل حصر التأمين الصحي على "غير القادرين"، وهو تعبير هلامي بالإضافة إلى أنه تأمين غير عال النوعية، أي سيبقى الحال على "قديمة". وهنا تتاح الفرصة لخصخصة التأمين الصحي، ويُحرق المرضى بنيران جشع القطاع الخاص والأطباء وشركات الدواء. وهلم جرا.

5. تحصين القضاء العسكري، وإتاحة الفرصة للقضاء العسكري للقبض على المدنيين ومحاكمتهم عسكريا، بادعاء تهم هلامية. ويتيح الدستور الفرصة للشرطة لحبس المواطنين لمدة 12 ساعة دون اتصال بالأهل أو المحاماة، مما يمكن من استمرار الحبس لمدة أطول بتجديد الحبس كل 11 ساعة.

6. يربط الدستور الأجر بالإنتاج دون مراعاة للتضخم ورفع الأسعار كالذي يحدث اليوم إرضاءً لمطالب صندوق النقد الدولي لكي نحصل على هذا السم الهاري المسمى "قرض"، وهو قرض غير حسن، بل وهو قرض سرطاني.

7. لم يؤكد الدستور على الدور النشط والمتلاحم لكل من القطاع العام الحكومي (قطاع الأعمال) والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والمجتمع المدني كسيمفونية هيكلية للتنمية وإطلاق الطاقات الشعبية التي تمثل جوهر الديمقراطية كما عبر عنها المرحوم الشيخ الغزالي.

8. حافظ الدستور على ثقافة المركزية بجعل جميع مواد الفصل الرابع (نظام الإدارة المحلية) مبهمة ومتناقضة ومفتوحة لسن القوانين تبعا لميول السلطة التنفيذية المركزية وهوى الأغلبية في البرلمان، وانتزع الدستور من قيمة اللامركزية، والتي تتمثل في أعلي مراتبها في انتخاب المحافظين (وهو الشرط الضروري الأساسي حسبما أخبرني به أحد كبار علماء الاجتماع العالميين في جامعة كورنيل) بالإضافة إلى تمكين المحليات في سلطة اتخاذ القرار، وتوفير التمويل المحلي وتخصيص حد أدنى 20% من ميزانية الدولة للمحليات غير الضرائب المحلية، والدعم الفني والتدريبي للكوادر والوحدات المحلية.

9. سطحية المواد المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي، والنظرة الهامشية بصورة خاصة للبحث العلمي والتعليم الجامعي، فكيف يمكن تناول البحث العلمي بمادة هزلية (رقم 59) مكونة من عدة كلمات (سطر ونصف)، ولا يُنَص فيها على تخصيص نسبة لا تقل عن 3% مثلا من الناتج القومي الكلي في خلال خمسة سنوات على سبيل المثال مثل ما نصت مادة تالية على التزام الدولة بالقضاء على الأمية خلال عشر سنوات من العمل بالدستور؟

10. لم يتعرض الدستور لأخطر مشكلة تواجه مصر بالقدر الكافي وهي مشكلة الازدحام السكاني في الدلتا والوادي والتوجه إلى قضايا إنشاء المدن الوظيفية الجديدة في الصحراء وسياسة الفك والتركيب للوزارات والمصالح الحكومية والجامعات لتعمير الصحراء وسياسات الزراعة والاستزراع الصحراوي وتعمير بحيرة ناصر ودراسة المشروعات المقترحة لعمران الصحراء من جانب العلماء المصريين بالداخل والخارج وحل مشكلة المرور والمشاكل البيئية الحالية والمرتقبة.
الخلاصة: لم أجد كلمات أبلغ من كلمات جلال عارف اليوم في مقاله بالتحرير "دستور للاستبداد .. ولجوع الفقراء"، وهي كلمات وطنية صادقة من شخص وطني صادق بمعنى الكلمة: "التصويت بـ«نعم» للدستور الباطل، يعنى خيانة الثورة التي قامت من أجل الخبز والحرية. ويعنى تسليم الوطن لحكم الميليشيات وشروط صندوق النقد، إسقاط هذا الدستور فريضة وطنية وواجب شرعي. الله لا يرضى عن الظلم أو الاستبداد أو سحق الفقراء. الله لا يرضى، والشعب لن يقبل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق