الخميس، نوفمبر 15، 2012

نور رشوان تكتب: دستور مصر. إلى أين ؟

منذ سقوط رأس النظام في 11 فبراير وبداية المرحلة الانتقالية، شهدت الساحة السياسية المصرية جدل وخلاف كبير حول عدد من القضايا التي تتعلق بتحديد مستقبل مصر السياسي وفقا لمتطلبات ثورة 25 يناير، وكانت من أهم القضايا التي حظيت بهذا الخلاف هي قضية وضع الدستور.
فعلي الرغم من أن عملية وضع الدستور في تاريخ معظم الدول تمثل محطة للتوافق والتلاحم السياسي سواء كان على المستوي الشعبي أو على مستوي النخب السياسية، إلا أن الوضع في مصر قد اختلف تماما، فقد مثلت عملية وضع الدستور المصري محطة للخلاف وتصفية الحسابات السياسية بين التيارات المتواجدة على الساحة منذ بداية المرحلة الانتقالية وحتى يومنا هذا.
فإذا استرجعنا سريعا المراحل التي مرت بها عملية وضع الدستور نجد أن جميعها قامت بالأساس علي تغليب المصالح السياسية، وذلك بداية من استفتاء 19 مارس الذي تعد نتيجته سببا رئيسيا في أزمة الدستور التي تشهدها مصر حاليا، ففي ذلك التوقيت الذي تم فيه الاستفتاء علي التعديلات الدستورية المطروحة كان من الممكن وضع دستور مصري كامل في ظل حالة التوافق والتلاحم التي كانت عليها معظم التيارات السياسية في ذلك الوقت، والتي كانت تستطيع أن تنتج دستور توافقي يعبر عن كافة أطياف الشعب، ويكون بمثابة خارطة طريق تسير عليها مصر لتحقيق أهداف الثورة، إلا أن هذا لم يتحقق، وذلك نتيجة لتغليب المصالح السياسية من جانب تيارات الإسلام السياسي.
أما المرحلة الثانية فهي تتمثل في تشكيل الجمعية التأسيسية، حيث نجد أن المعايير التي تم من خلالها تشكيل هذه الجمعية قامت أيضا على أساس تغليب المصالح السياسية من جانب تيارات الإسلام السياسي، والتي اعتمدت في ذلك على الأغلبية البرلمانية التي حظيت بها، متجاهلة في ذلك أن هذه الأغلبية زائلة في يوم ما، أما الدستور فهو دائم، وكانت نتيجة ذلك توالي الدعوات المطالبة بضرورة حل الجمعية التأسيسية.
أما المرحلة الثالثة فهي تتمثل في مسودة الدستور التي أنتجتها الجمعية التأسيسية ذات الأغلبية الإسلامية، والتي لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن أطياف الشعب، حيث جاءت كنتيجة طبيعية ومتوقعة للتمثيل الغير العادل لتلك الجمعية.
وبالتالي، وفي ضوء تلك المراحل التي تم استعراضها، نستطيع أن ندرك جيدا أن عملية وضع الدستور المصري أصبحت تشوبها العديد من المخاطر والأزمات، والتي تتمثل في التالي:
·     وجود حالة من تغليب المصالح الحزبية يصاحبها حالة من الاستقطاب السياسي الحاد بين جميع التيارات، والتي يصعب في ظلها إصدار دستور توافقي يعبر عن كافة أطياف الشعب.
·     وجود جمعية تأسيسية مشكوك في شرعيتها، تصارع الزمن من اجل الانتهاء من عملية وضع الدستور والاستفتاء عليه قبل إصدار حكم المحكمة الدستورية، والتي من الممكن أن يحكم ببطلانها، فإذا حدث ذلك ونجحت الجمعية التأسيسية في الانتهاء من عملية وضع الدستور والاستفتاء عليه، ثم قامت المحكمة الدستورية بإصدار قرار بحلها، تكون قد دخلت مصر وقتها في أزمة دستورية خطيرة يصعب الخروج منها، فهل في وقتها سوف يتم إبطال الدستور المستفتي عليه من قبل الشعب استنادا إلي أراء بعض الفقهاء الدستوريين الذين يستندون إلي القاعدة القانونية التي تنص علي أن ما بني علي باطل فهو باطل، أم يتم الإبقاء علي هذا الدستور استنادا أيضا إلي أراء بعض الفقهاء الآخرين الذين يرون أن الاستفتاء وإرادة الشعب سوف تحصن الدستور من أي حكم قضائي؟؟
·     طرح مسودة دستور لا تعبر عن أهداف الثورة، وتمنح صلاحيات واسعة للأجهزة التنفيذية وعلي رأسها رئيس الجمهورية، وهو ما نتج عنه رفض شعبي كبير لتلك المسودة التي تم طرحها.
وبالتالي ومن خلال استعراض تلك الأزمات يمكن توصيف عملية وضع الدستور المصري بأنها تمر بمأزق خطير، يمكن الخروج منه من خلال قيام الدكتور محمد مرسي بإصدار قرار بحل الجمعية التأسيسية، والدعوة إلي إجراء حوار وطني حقيقي يضم كافة القوي السياسية المتواجدة علي الساحة، وذلك من اجل الاتفاق علي وضع المعايير التي يتم من خلالها تشكيل جمعية تأسيسية توافقية جديدة تستطيع أن تصدر دستور يعبر عن كافة أطياف الشعب، ويحقق أهداف الثورة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن يقتصر دور رئيس الجمهورية في هذا الحوار الوطني علي إدارته فقط وليس المشاركة فيه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق