السبت، نوفمبر 10، 2012

يحيى صقر يكتب: العصر الأسود

ما أشبه ما يحدث اليوم فى العالم العربى بالحقبة السوداء فى تاريخ أوروبا، فقد ذكرنى ما يحدث بما قرأته عن تلك الحقبة وبالأخص عن عالم فلك يدعى "برونو" كانت جريمته الوحيدة أنه خالف الحكم الكهنوتى فى التفكير أو كما اتهم ب "الهرطقة"، وذلك بسبب كتابه "عن اللانهائى والكون والعالم" الذى قال فيه أن الشمس هى مركز نظام الكواكب السيارة ومنها الأرض فاستدعته الكنيسة الكاثوليكية واتهمته بالهرطقة ليقضى الثمانِ سنوات الأخيرة بعمره مكبلاً بالسلاسل، حيث تعرض للتعذيب والتحقيق والمساءلة، حتى حكم عليه من قبل قاضى الكنيسة بالإعدام، ونُفذ الحكم بشكلٍ مفزع.. ثقب لسانه بشوكة حديد ووضعت شوكة أخرى فى سقف حلقه، وصُفد فكه بحلقة معدنية، ثم اقتيد عبر شوارع روما عاريا، ثم أُحرق حيا فى ساحة عامة. هذه كانت نهاية عالم قرر مخالفة الحكم الكهانوتى (قرر الإخلاص للحقيقة العلمية).

فهل نحن بصدد حكم كهنوتى آخر ليدخل الدول العربية الخريف بدلاً من الربيع؟ هل ستكون الحقبة السوداء فى تاريخ العرب؟ لم يقصد أحد بإبعاد الدين عن السياسة أن نلغى الدين، فالدين أحد أسس الحياة، فمن المستحيل أن تبعد ما تؤمن به عن فكرك وإلا لما أمنت به، لربما اختلفنا فيما نؤمن به ولكن جميعنا نؤمن بشئ غير ذلك، لن نجد هدف لحياتنا، ولكن كان المقصود إبعاد رجال الدين عن السياسة حتى لا نصل إلى دولة الكهنوت التى لربما شارفنا على بدايتها، فما أكثر لهجة التكفير التى انتشرت اليوم، وما أكثر رجال الدين الذين يخطبون فى الناس فى كيفية إدارة الدولة و كيفية التعامل مع الناس، والأغرب أننا نعطى حق لأنفسنا ليس لنا، فنحن نحكم من فى النار ومن فى الجنة كما لو كنا، حاشالله، نملك الحكم.

نظرت مرة أخرى لتاريخ أوروبا على أتعلم شيئاً، فقادنى البحث إلى ما يدعى محاكم التفتيش، وهى ثلاث أنواع " محاكم التفتيش البابوية و محاكم التفتيش الإسبانية ومحاكم التفتيش الرومانية "، وقد استثارتنى محاكم التفتيش البابوية التي نشأت ضد حركة تدعى "الكاثارية أو الإلبيةلم تستخدم الكنيسة الغربية في تعاملها مع هذه الحركات "التي وصفتها بالهرطقات الجديدة" النهج الذي اعتمدته في العصور الباكرة من تاريخها، والقائم على الحكمة والحوار، وبدلاً من أن تبحث البابوية عن جذور تلك الحركات، وتتفهم دوافعها السياسية والاجتماعية والدينية قامت بإدانتها جميعا بوصفها هرطقات تشكل خطراً على المسيحية، كما قامت بتعبئة الرأي العام في الغرب الذي كان يتسم بالجهل والتعصب الأعمى ضد هذه الحركات، ونجحت في إقناع فئات كبيرة منه وبخاصة جماهير العامة بأن كل هجوم على رجال الكنيسة هو عدوان على السيد المسيح، وأن كل هجوم على نظم الكنيسة وتقاليدها هو هجوم على الكتاب المقدس، وأن المناوئين للكنيسة هم (مهرطقون)، وأداة بيد الشيطان وأعداء المجتمع المسيحي، وبالتالي فإن محاربة المهرطقين واجب مقدس على كل المسيحيين في الغرب .
فكما قلت ما أشبه اليوم بالأمس وكأنما التاريخ يعيد نفسه فكل من خالف رأى شيخ أصبح مخالف لرأى الإسلام وكل من ليس مع تيار الإسلام السياسي أصبح من الليبراليين والعلمانيين “الكفرة"، ومن يخالف رأينا فهو ليس منا.
 وهي ليست صفة رجال الدين فقط فثمة فئات كبيرة من الشعب تطلق على نفسها أسم المثقفين وتمارس التمييز بدون أن تعلم وتصدر الأحكام على الناس فمن قال غير قولنا فهو مخطئ وربما عميل، ومن لبس ملابس غير ما اعتدنا عليه فهو غريب الأطوار، وربما يتهم بأكثر من ذالك، ومن قرر العيش فى صمت فهو جبان، ومن بحث عن الشهرة فهو مغرور ومن بحث عن المال فهو برجوازى، ومن قرر أن يفكر بطريقة مختلفة فهو مجنون، هكذا صنفنا أنفسنا... فهل نحن بصدد 
محكمة سحرة أو مهرطقين جدد؟ هل ندخل في عصر أسود؟

 

هناك 3 تعليقات: