الجمعة، نوفمبر 02، 2012

خالد عاصم يكتب: المدنية .. المصطلح و الصراع.

فقط في مصر تتعرف على دين ما من خلال اقوال اصحاب الدين الأخر، فقط في مصر لا تسمع عن العلمانية الا من خلال منتقديها و لاعنيها، و فقط في مصر – و في القرن الحادي و العشرون – تسمع عن الدولة المدنية .. وممن؟  ممن يحاولون اقناعك بأن قولهم الخالي من المعنى هو المعنى الصحيح لهذا المصطلح.
المدنية كمصطلح: اول القول هو صدمة انه لم يعد هناك ما يسمى بالدولة المدنية على مستوى العالم الحديث, عدا الشرق الأوسط باستثناء القليل من دوله بالإضافة الى بعض الدول الإسلامية و اللاتينية. فلقد تخطت الحضارة البشرية الحديثة على المستويين السياسي و الإجتماعي فكرة الحديث عن دولة مدنية, حيث اصبح من البديهي الا تتنمى المجتمعات الحديثة و سياساتها الى ما يتعارض مع مدنيتها. و عند الوصول الى معرفة ما يتعارض مع المدنية يمكننا تحديد ماهيتها و معناها.
يتعارض مصطلح الدولة المدنية بشكل مباشر مع ما يعرف بالدولة العسكرية (الدولة المحكومة بنظام عسكري كمؤسسات و افراد .. على سبيل المثال: حكم انقلاب يوليو بمصر و ما تبعه من انقلابات عسكرية في الشرق الأوسط) و الدولة الثيوقراطية (الدولة الدينية او دولة الكهنة او الكهنوت حيث تسيطر المؤسسة الدينية على مقدرات الحكم و الأمور السياسية .. على سبيل المثال: اوربا في العصور الوسطى تحت الحكم الروحاني لكنيسة روما – ايران في العصر الحديث), و قد يضيف البعض مصطلح الدولة البدائية او الريفية الى تلك القائمة و ان كان هذا المصطلح لم يعد قائما حيث ندرت امثلة الحكم على تلك الشاكلة على مستوى العالم. من هنا يتضح لنا ان النظام المدني هو ذلك الذي يستطيع تحييد المؤسستين العسكرية و الدينية و اقصائهم تماما من التدخل في امور الحكم و السلطة و العمل على الحفاظ على تداول السلطة بين المؤسسات و الأفراد المدنيين المنتمين الى تيارات سياسية لا ترفع شعار مليشيا عسكرية او لواء ديني, و هو الأساس الذي تطور منه نظام الحكم العلماني و الذي حل كنظام و مصطلح محل نظام و مصطلح الدولة المدنية الذي لم يعد معمولا او منطوقا به في المجتمعات الحديثة كما اسلفنا.
لم تنبع حاجة الإنسان الى نظام اجتماعي و سياسي جديد الا من خلال ما عاناه تحت وطأة الأنظمة السابقة, و هو السبب ذاته الذي دعى فلاسفة البشرية الى الوصول الى افكار و اتجاهات سياسية كالمدنية و ما تبعها من علمانيه و ليبرالية و يسارية على مختلف تفرعاتها و شعبها عدا الفاشيستية و الشمولية منها, و من هنا خلق صراع البقاء و السيطرة بين تلك الأنظمة القمعية (عسكرية و دينية) و بين المدنية و مشتملاتها, صراع انتهى من على ساحة المعارك السياسية للمجتمعات الحديثة و ان كان لا يزال يطل برأسه بوضوح في مجتمعاتنا التي تحاول ان تخطو اولى خطواتها – ربما على مدار التاريخ – نحو الحكم المدني الحقيقي, و بينما يتطلع البعض الى حكم علماني شامل ليبرالي كان او يساري, تحاول الأنظمة القمعية العسكرية من جهة و الثيوقراطية المتطلعة الى السلطة من جهه اخرى الى اعادتنا الى ما قبل نقطة الصفر, حيث فرضوا علينا – كل حسب مصلحته – تعريفات منقوصة او مشوهة للنظام المدني.
منذ ان قامت الثورة المصرية و حتى يومنا هذا يحاول الإسلام السياسي ان يوجه عقول العامة الى الإقتناع بمدنية اللاعسكرية, بينما يهاجمون كل من يحاول ان يوسع دائرة الإصطلاح الى معناه الحقيقي, تارة  متعللين بأن الدولة الدينية لم يكن لها وجود ابدا في ظل الإسلام و تارة يحاولون ايهامنا بامكانية وجود ما عرفوه هم بالدولة المدنية ذات المرجعية الدينية. و نستطيع الرد على التبرير الأول من خلال قراءة تاريخ الحكم الإسلامي على كافة عصوره, فمنذ ان اندلعت ثورة اهل مصر و العراق على الخليفة الثالث عثمان بن عفان و ما تبع هذا الحدث من معارك ضارية بين الإمام علي الخليفة الرابع و بين معاوية بن ابي سفيان راح ضحيتها الاف المسلمون و ترسخ قواعد الدولة الأموية في النهاية, انتهى حكم الإسلام الرشيد و بدأ حكم سياسي بحت لا يختلف على حكم القياصرة و الملوك القدماء, حكم ثلاثي الأبعاد بين ملك و عسكر و كهنة و من وراءهم المسلمون يدفعون ضريبة نهم و جشع حكامهم و نفاق التابعين و المستنفعين. اما فكرة نشر ما يعرف بالدولة المدنية ذات المرجعية الدينية  فهو مصطلح مشوه و لا يُعقل لا سياسيا و لا فلسفيا, فالدولة المدنية لا تحمل اي مرجعيات ايدولوجية ايا كانت بل ان مرجعيتها الوحيدة هي الإنسانية دون رتوش و اضافات تحفز دوما على قسم المجتمع و دب الخلافات داخله. لقد استشعر تيار الإسلام السياسي الخطر من الأفكار المدنية او العلمانية خاصة, فدأب على تشويه الثانية بكل الطرق (غير الشرعية بطبيعة الحال) بينما حاول لي مفهوم الاولى لخدمة مصالحه و اهدافه المتطلعة للسلطة و لفرض السيطرة على المجتمع المصري.
لقد ثار الشعب المصري بعد ان ذاق الأمرين على يد نظام اوهمه انه مدني و مارس عليه كل اشكال القمع و كبت الحريات و غياب العدالة الإجتماعية, فهل سنسمح لأنفسنا بأن نخدع للمرة الثانية بمن يلبسون الحق بالباطل و يلبسون الباطل رداء الحق مستغلي الدين و دماء الشهداء للوصول لأغراض سياسية سلطوية ستعيدنا لا محالة لما ثرنا ضده سابقا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق