الأحد، أكتوبر 07، 2012

سمير رمزي يكتب: العلاقات الليبرالية – اليسارية .. قراءة مختلفة للمشهد السياسي المصري

قامت الأحزاب السياسية المصرية الغير إسلامية بصك مرادفة سياسية فضفاضة تخول لها العمل الجماعي تحت مظلتها وهي مرادفة (القوي المدنية) إلا ان الصراعات السياسية في هذه المرحلة لم تكن بمثل هذه البساطة، سواء الصراع الفج بين هذه الأحزاب والأحزاب إلاسلامية من جهة أو الصراع المستتر بين تلك الأحزاب الغير إسلامية وبعضها من جهة أخري والأخير هو محل حديثنا في هذا المقال.
فقد ذهبت اغلب التحليلات المهتمة بالشأن المصري الى تناول النظام السياسي المصري عقب الثورة عبر ثنائية ( إلاسلامي- المدني) وبدأ ذلك تحديدا أثناء استفتاء مارس 2011 علي التعديلات الدستورية الملحقة بدستور 1971 وأهملت الكتابات السياسية بشكل شبه كامل الصراعات السياسية الأخرى والتي ساهمت بالشكل غير القليل في حسم الكثير من نتائج الجولات السياسية المتتالية بعد الثورة وسنحاول ان نلقي الضوء على ابرز تلك المحطات فيما سيأتي  وفي إطار محاولتنا تلك سنقسم الأحزاب الغير إسلامية الى معسكرين الأول هو معسكر اليسار بكافة أطيافه والثاني هو المعسكر الليبرالي ، وذلك بغرض التيسير ولضيق المساحة.
منذ اللحظات الأولى للثورة ظهر جليا حرص كل طرف من الطرفين على وجود اتفاق ضمني بان كلا المعسكرين هما من فجروا الشرارة الأولى للثورة وخصوصا التنظيمات الشبابية المنتمية لهما، إلا اننا نستطيع ان نلاحظ وجود إصرار من كلا طرف علي حدة في الحفاظ علي حقوقه في تحديد ماهية الثورة ومطلبها الرئيسي، فبينما يصر المعسكر الليبرالي علي  رفع شعار الحرية كاسمي قيمة ليبرالية وتصديرها في هتافاته الثورية، نجد ان المعسكر اليساري يرفع من قيمة أخرى ذات أولوية اعلي في أجنده الشعارات اليسارية وهي قيمة الخبز ( عيش ) وليس هذا وفقط فأننا نستطيع ان نلاحظ ذلك أيضا علي سبيل المثال في حرص التيار الليبرالي علي سلمية العملية الاحتجاجية برمتها والبحث الدؤوب عن مخرج سياسي مناسب يختزل العملية الاحتجاجية في خارطة طريق لانتقال السلطة وإعداد الدستور وعلي الجانب الآخر محاولة القوي اليسارية تصدير شعارات مناقضة كشعار ( خالتي سلمية ماتت ) والتركيز علي هدم المنظومة السياسية بأكملها في منهج تروتسكي جلّي .
وربما ظهر هذا التناقض بشكل اوضح في المعارك السياسية الأكثر وضوحا كالانتخابات البرلمانية والرئاسية، ففي الانتخابات الليبرالية سلكت القوي الليبرالية مسارين انتخابيين مختلفين الأول هو المنافسة الانتخابية بشكل حزبي منفرد بعيد عن التحالفات كحزبي الوفد والجبهة والديمقراطية والثاني هو الشكل التحالفي مع بعض قوي اليسار كما فعل حزب المصريين الأحرار  وهو الحزب الليبرالي صاحب أعلي الحظوظ في التوقعات الانتخابية حينها حيث أنشأ الحزب تحالف الكتلة المصرية مع حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع اليساريين ، بينما لجأت الأحزاب السياسية اليسارية الى مسار انتخابي واحد هو مسار التحالفات الانتخابية فبالتوازي مع تحالف الكتلة المصرية ( الليبرالي – يساري ) شكلت قوي اليسار الأخرى تحالف انتخابي أخر وهو تحالف ( الثورة المستمرة ) وقد ادى ذلك بلا شك الى زيادة حظوظ التيارات الإسلامية التي انتهجت معظمها منهج التحالف الإسلامي الواحد مع التطعيم ببعض الأحزاب الأخرى الضعيفة كحزبي الغد والكرامة في التحالف الانتخابي الذي رعاه حزب الحرية والعدالة وأدي ذلك الشكل الانتخابي الى تفتيت الأصوات المتحمسة للحكم غير الديني من ناحية علي القوائم المتعددة للقوي الغير إسلامية وتفتيت الأصوات المؤيدة للطرف الثوري في المعادلة السياسية من ناحية اخري بل أن حزب كالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي قام بمنافسة حليفه الليبرالي في الكتلة المصرية بخوض الانتخابات تحت قائمة تحالف الثورة المستمرة في محافظة الدقهلية وكان نتيجة لذلك ولعوامل اخرى حصول القوي الإسلامية على أغلبية المقاعد البرلمانية في تلك الانتخابات .
تكررت تلك التجربة بشكل شبه كامل في الانتخابات الرئاسية فلقد انقسمت القوي الليبرالية في دعمها لمرشح رئاسي غير إسلامي وتقاسم تلك الأصوات الداعمة للتيار الليبرالي المرشحين الآخرين، وحدث ذلك للقوي اليسارية في انتخابات الجولة الأولى وانتخابات الإعادة مما أدى أيضا الى وصول المرشح الإسلامي الى سدة الحكم.
مما سبق يتضح لنا وجود منافسة أخرى تحكم تطور العملية السياسية المصرية غير تلك المنافسة الكلاسيكية بعد ثورة يناير بين المعسكرين الإسلامي والغير الإسلامي ونعتقد انه من الخطأ اختزال الصراع السياسي الداخلي المصري في ذلك الاطار التنافسي ، وربما سيساهم تناولنا الصراع السياسي تحت أطر سياسية مختلفة في تشكيل قراءة صحيحة للمشهد السياسي المصري ومن الملفت هنا اذا القينا الضوء على عمليات التنسيق الليبرالية – يسارية لوجدنا تأثير اكثر وضوحا من المعسكر الغير إسلامي على المعادلة السياسية ويمكننا ان نرى ذلك في جمعة الدولة المدنية واقرار خارطة طريق لتسليم السلطة عقب احداث محمد محمود .
في النهاية نود ان نشير الى ان وجود هذا التنافس السياسي الليبرالي يساري ساهم بشكل كبير في حسم المعارك السياسية لصالح التيار الإسلامي ويمكننا ان نري ذلك في العملية السياسية المصاحبة للإقتراحات الدستورية المقدمة من الوزير السابق الليبرالي علي السلمي فلقد لعبت القوي اليسارية دورا بارزا في عدم مرور  تلك الوثيقة التي أعلت من قيم الحريات ومدنية الدولة بتصدير اليسار المصري لقضية الحكم العسكري كواحدة من معوقات نجاح ثورة 25 يناير مما أحرج القوي الليبرالية من ناحية فلم تستطع تلك القوي الليبرالية دعم تلك الوثيقة، وساهم ذلك في توفير غطاء سياسي ثوري للقوي الإسلامية من ناحية اخرى، ويمكننا  ان نعمم ذلك المشهد على العملية السياسية المصرية بعد الثورة وحتي انتخابات الرئاسة والتي جاءت بعدة نتائج سياسية  أخرى - غير وصول القوي الإسلامية الى الحكم - ومن أبرزها إيضاح ان السيولة الايدلوجية التي تحكم العلاقات الليبرالية اليسارية المصرية بعد الثورة ربما تكون عائق رئيسي لتلك القوي من ناحية وعامل حافز للقوي الإسلامية من ناحية آخري وعلي القوي السياسية الليبرالية – يسارية ان تختار بين  اصطفافها كقوي علمانية موحدة تتمتع بخطاب سياسي واسع أو ان تعمل علي التركيز على  طرحها الايدلوجي الرئيسي وستكون النتيجة في الحالتين في مصلحة أحد التيارين أو كلاهما لاسيما مع معالجتهم للعوائق الأخرى .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق