الجمعة، أكتوبر 05، 2012

خالد عاصم يكتب: الطبقة الوسطى و النظام .. الى اين؟

تختلف نظرة التيارات الفكرية السياسية للطبقة البرجوازية للمجتمع طبقا لرؤية تلك التيارات للمحركات الرئيسية لأي مجتمع, فيتفق أغلب اليسار على عدم قدرة الطبقة الوسطى على تحريك المجتمع و النهضة به لعدم قدرتها على اتخاذ القرارات الثورية و ذلك لشغفها – على حد تعبيرهم – بالابتعاد قدر الإمكان عن الطبقات الفقيرة و الاقتراب قدر المستطاع من الطبقات الأعلى اقتصاديا مما يضعها في حالة ثبات لاثوري لا يمكنها من النهضة طبقا للرؤية اليسارية، بينما ينظر التيار الليبرالي الإصلاحي نظرة مختلفة لتلك الطبقة حيث يؤمن بأن أهمية الطبقة الوسطى تكمن في قدرتها على الإتجاه الإصلاحي اجتماعيا و اقتصاديا و هو ما من شأنه الاتجاه تدريجيا الى النهضة الشاملة للمجتمع حيث ان الطبقة الوسطى هي الركيزة الرئيسية لأي مجتمع، بينما يرى اليمين الديني في الطبقة الوسطى خطرا ثقافيا يتهدد وجوده بجلاء حيث ان اهتمامات الطبقة الوسطى الثقافية و الترفيهية و التعليمية بالإضافة الى حدود الحريات العامة و الخاصة التي تسعى الى اقتناص بعضها و تحسين البعض الآخر تضع اليمين الديني السياسي أمام خطر الثورة الشاملة كما حدث في الثورات التنويرية في أوروبا و التي ارتكزت في الأساس على الطبقة الوسطى ضد التيار الديني المتحكم سياسيا.
وقد استطاع النظام السابق ان ينجح لبعض من الوقت في وضع الطبقة الوسطى في حالة ثبات من خلال ربطها بحالة احتياج دائم مستغلا تطلعاتها للطبقات الأعلى، فصارت الطبقة الوسطى مقيدة اقتصاديا، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدولة ونظامها الاقتصادي من خلال القروض البنكية على سبيل المثال، هذا بالاضافة للسيطرة الإعلامية الموجهة لتعطي المجتمع صورة زائفة للديموقراطية وحرية الرأي، وقد راعى النظام السابق عدم التدخل المباشر في الحريات الخاصة وعدم إقرار قوانين من شأنها التقييد المباشر لتلك الحريات. ولا نستطيع ان ننكر ان النظام السابق قد استطاع ان يقيد الحالة الثورية للطبقة الوسطى ولو لبعض الوقت من خلال الإجراءات السابق ذكرها وربما يعد ترحم البعض على العهد السابق دليلا شديد الوضوح على صحة تلك النظرية خاصة بعدما أدركت الطبقة الوسطى ان الأسوأ لم يكن قد أتى بعد.
في خضم أحداث نصرة الرسول التي هزت أرجاء العالم الإسلامي، خرج علينا النظام الحاكم الحالي ببعض القرارات والتصريحات التي ربما لم يلاحظها أحد حينها، من بينها انه وقت ان كانت السفارة الأمريكية محاصرة صرح رئيس الوزراء بأننا ننواجه عجزا ضخما في الميزانية وهو الأمر الداعي الى اتخاذ بعض القرارات التقشفية!! دون ان يشير الى طبيعة تلك القرارات وماهيتها، ولكن بقليل من التدبر والتفكير نستطيع ان نستشف بعض تلك القرارات ومن ثم نستطيع ان نتكهن بأحد أهدافها الحقيقية غير ما يتعلق بسد عجز الموازنة.
لازلت متفقا مع فكرة رفع الدعم عن بعض السلع بشرط ان يتم رفع معدلات الدخول بما يتناسب فعليا مع رفع الدعم، فليس من الطبيعي ان يرتفع سعر السلعة ثلاثة أضعاف على سبيل المثال بعد رفع الدعم عنها و تظل الدخول على ذات نسبتها السابقة، و هو ما يلوح به النظام الحالي، ففي نفس الوقت الذي يؤكد فيه رئيس الوزراء و أعضاء مجلسه على ضرورة رفع الدعم عن بعض السلع و منها البنزين على سبيل المثال، يصرح ذات الرئيس و ذات الأعضاء بأنه من الصعب حاليا وضع حد أدنى للأجور أو رفع معدلات الدخل نظرا لما تواجهه الدولة من أزمات اقتصادية، و هو الأمر الذي يهدد الطبقة الوسطى بشكل مباشر، فعدم رفع معدلات الدخول و مضاعفة أسعار السلع المدعومة "سابقا" كالبنزين مثلا سيؤدي لحدوث هبوط اقتصادي كارثي للطبقة البرجوازية يتخطى بكثير حالة الاحتياج التي فرضها النظام السابق. الأمر ذاته يتعلق بالخبز الذي بدأ رفع الدعم عنه تدريجيا رغم تصريحات رئيس الجمهورية ووعده بعدم المساس بالخبز وكنا نتمنى ان يتم المساس به لتحسينه لا لمضاعفة أسعاره، وقد بدأت بعض المخابز بالفعل في أنتاج رغيف العشر قروش وخفض معدلات أنتاج رغيف الخمس قروش، وربما نفاجأ برفع الدعم عن العديد من السلع الأخرى في ظل احداث تشتيتية اخرى كأحداث السفارة.
تفعيل قانون الضرائب العقارية المجمد، تطبيق ضريبة جديدة على مكالمات الهاتف المحمول، التلويح برفع الرسوم الجمركية، ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، وصول أنبوبة البوتاجاز الى أسعار خيالية مقارنة بما سبق، اختزال شرائح الكهرباء الى شريحتين فقط و مضاعفة فواتيرها، خفض ميزانية ترميم و إنشاء المدارس و عدم الوفاء بالعهود التي قطعت للمعلمين، بالإضافة الى ما سيستجد من قرارات من شأنها تنفيذ ضمانات القرض الدولي و بالطبع ستتوالى القرارات التقشفية و رفع معدلات الضرائب لسد العجز و تسديد الديون التي تضاعفت في ظل حكمي المجلس العسكري و النظام الحالي ... ضربات متتالية مباشرة توجه للطبقة الوسطى تحديدا و بالطبع ينال بعضها الطبقة الأدنى، و لكن محاولة النظام الحالي لترويض الطبقة الوسطى تختلف شكلا و مضمونا عن طبيعة تعامل النظام السابق مع ذات الأزمة، فالهدف هنا ليس التأكد فقط من الأستقرار الثوري أو الإصلاحي للطبقة الوسطى بل يتخطى الأمر ذلك الى محاولة التحطيم الكامل لإرادة تلك الطبقة و بالتالي سيعقب ذلك أنشطة إعلامية و ثقافية مخونة للحد من تطلعات تلك الطبقة للحرية و الإصلاح.
ان الخطر الذي يتهددنا كطبقة وسطى لا يحمل لنا سوى طريقين أما ان نناضل من أجل الإصلاح الحقيقي و ضمان الحريات و الحياة الكريمة أو ان نستسلم للزوال و الفناء .. فأي الطريقين سنختار؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق