الاثنين، أكتوبر 29، 2012

هيثم الكاشف: قراءة في واقع الحياة الحزبية السياسية الليبرالية في مصر

قامت الثورة المصرية مؤمنة بذلك مناخا واسعا من الحريات والممارسات السياسية أثرت بشكل مباشر على قطاع الحياة الحزبية، فبعد أن كان تعداد الأحزاب التي أنشأت بشكل رسمي في مصر أيام النظام السابق وتحديدا حتى نهاية العام 2007 هو 24 حزبا آخرها كان حزب الجبهة الديموقراطية، الآن أصبح تعدادها يتجاوز ال 67 حزبا مؤسسا على الرغم من رفع الدعم المادي عنها وزيادة عدد الأعضاء المؤسسين ل 5000 عضو.
تلك التعددية الحزبية قطعا قد أثرت الحياة السياسية من ناحية، ولكن بالنظر إليها من زاوية أخرى سنجد أنها قد أثّرت بالسلب على التيارات الليبرالية، فبدلا من أن تنطوي جميعها تحت جناح حزبي واحد. للأسف تفرقت إلى كيانات حزبية عديدة تحمل نفس الفكرة، وبناء على هذا التشرذم خرجت أغلبها بشكل ضعيف تأثيرا سوءا على الصعيد السياسي أو المجتمعي وفاشلة تنظيميا، ليس هذا فقط بل أقتصر إستقطابها للعضويات من نفس الأحزاب المدنية الأخرى بدلا من توسيع الرقعة وجذب عناصر بشرية جديدة مؤمنة بالفكر الليبرالي.
فبالرغم من تعدد الأحزاب الإسلامية إلا أنها إحتفظت بحزبين رأسيين يقودانه هما " حزب الحرية و العدالة " التي أنشأته جماعة الإخوان المسلمين , و " حزب النور" التي أنشأته الدعوة السلفية، تلك الأحزاب شكلت قطبي السياسة المصرية بعد حصولهما على أغلبية المقاعد في الإنتخابات التشريعية السابقة و كلاهما أيضا خاض تلك الإنتخابات بتحالفان سياسيان مع أحزاب أخرى صغيره متنافسين بذلك على جميع الدوائر الانتخابية، بينما خاض التيار الليبرالي تلك المعركة بتحالف " الكتلة المصرية " و هو التحالف الإنتخابي الوحيد حيث ضم تحت جناحه 3 أحزاب من بينها حزب التجمع و هو حزب يساري ! أما الوفد و الجبهة الديموقراطية فخاضاها منفردين .. المفارقة المبكية هنا أن حزب غد الثورة " الليبرالي " والكرامة “الناصري" خاضا الانتخابات على قوائم " التحالف الديموقراطي من أجل مصر " جنبا بجنب مع الإسلاميين !!

أسباب ضعف الأحزاب الليبرالية:

-         قيام الأحزاب الليبرالية على أساس المصالح الشخصية لفرد واحد أو عدة أفراد، فالأصل في إنشاء الأحزاب هو تمثيل مصالح فكرية أو إجتماعية لفئة معينة من المجتمع، وغالبية الأحزاب الجديدة نسبيا قامت بسبب إنشقاقات بعض أعضاء أحزاب أخرى لأسباب أشهرها: خسارة الانتخابات الداخلية، التنازع على المناصب الحزبية، خوض الانتخابات البرلمانية القادمة.

-         برامج الأحزاب الجديدة مثلا لا تقدم طرحا جديدا عن غيرها فكلها عبارة عن نفس الفكرة بإختلاف ترتيب الكلمات فبرامج "حزب الدستور" و " مصر الحرية " لم يختلفا عن " المصري الديموقراطي الإجتماعي" في شئ.

-         غياب الرؤية وعدم التمسك بالايدلوجية فتجد أحزابا ليبرالية لا تجد حرجا في أن تتحالف مع الأحزاب الإسلامية سياسيا وانتخابيا مثل أحزاب الوفد وغد الثورة، وعندما تبحث عن أساس المشكلة تجد أنه سببا تنظيميا بحتا حيث إحتوت دوائر صنع قرار أغلب تلك الأحزاب على شخصيات لا تنتمي فكريا إلى الليبرالية أو مجموعة من المرتزقة السياسيين تغلب مصالحهم الفردية على مصلحة الحزب حتى وإن خالفت توجهاته!

-         محدودية الإنتشار أيضا تكاد تكون سببا مهما في ضعف التيار الليبرالي للوصول بفكره إلى قطاعات متنوعة وشرائح مختلفة فكريا عنه في المجتمع المصري، حيث إقتصر تواجد مقرات تلك الأحزاب في المدن الرئيسية من كل محافظة وانحصر تواجد بعض الأحزاب الجديدة نسبيا في العاصمة فقط، في حين حققت الأحزاب الإسلامية إنتشارا واسعا ليس فقط في المراكز بل في كل قرية وكل حي!

-         الموارد المالية تعد عاملا أساسيا في العمل الحزبي فلتحقيق الإنتشار لابد من وجود المال، لذلك ظلت الغالبية العظمى من الأحزاب حبيسة جدران مقراتها، بلا أية نشاطات سياسية أو إجتماعية و بالتالي لا تحقق القدرة على إستقطاب عناصر جديدة أو كوادر شبابية لتدريبها .. الدعم المالي قد يكون عنصرا مهما وركيزة أساسية في الحياة الحزبية بشكل عام لكنه أيضا عنصرا هداما إذا تحكم رأس المال في إدارة القرارات السياسية وتوجيه التشكيلات الحزبية مثل " حزب المصريين الأحرار".
بالرغم من كل تلك المساوئ و الإنقسامات و الترهلات التي تعاني منها الحياة الحزبية الليبرالية في مصر إلا أنها في الفترة القادمة ستشهد نضجا سياسيا يتمثل في إندماج العديد من تلك الأحزاب في حزب واحد يحمل إسم " المؤتمر" بقيادة مرشح الرئاسة السابق عمرو موسى و نخبة من قيادات التيار المدني في إطار توحيد الجهود و خلق معارضة قوية للتيارات الإسلامية و التغلب على المشكلات التي تعاني منها الأحزاب من نقص الدعم المادي و القيادات الحزبية و الانتشار، بينما يطمح حزب الدستور بقيادة الدكتور البرادعي في ضم أحزاب العدل و مصر الحرية أيضا بإندماجهم مع الحزب.
كما شهدت الحياة الحزبية في مصر تعددية واسعة بعد الثورة ستشهد أيضا تقلصا كبيرا في الفترة المقبلة، هناك أحزابا كثيرة الواقع سيحتم عليها أن تغلق أبوابها بعد الانتخابات التشريعية القادمة وأخرى لن تستطيع الاستمرار وستنهار حتما بسبب تفاقم عوامل الضعف والتفكك بها، لذلك يجب على الأحزاب الليبرالية أن تفكر بجدية في ضرورة التوحد لمواجهة الأحزاب الإسلامية ومحاولة وقف تحويل مصر من دولة مدنية إلى دولة فاشية دينية.



هناك 6 تعليقات: