الجمعة، أكتوبر 26، 2012

ياسر محمد يكتب: الداروينيه السياسية

قد يبدو المصطلح غريبا وجديدا من نوعه فمصطلح الداروينية يعرف في أوساط 
الحقل البيولوجي كوصف لعملية التطور بالانتخاب الطبيعي التي أنتجت كل أشكال الحياة
 علي كوكب الارض والتي لم يتبقى منها سوي اقل من 1 % بعد انقراض أكثر من 99%
على مر تاريخ يقارب 3.5 مليار عام والتطور يوجد له شعار شهير قد يعرفه الكثيرين هو
 البقاء للأصلح وقد عرفه تشارلز داروين بان الانتخاب الطبيعي لا يشترط بقاء الأذكى والأقوى بل الأكثر توافقا وملائمه مع بيئته.
أحد تصوراتي والتي اطرحها هنا قد تعتبر مدخل الي الداروينية السياسية وموجز بشكل كبير عنها كمحاوله لتفسير المشهد السياسي قد تحمل بعض الصحة وقد تكون غير صحيحه أيضا، فهذا المصطلح والذي أحاول من خلاله محاولة فهم طبيعة السياسة بعيدا عن المنظور الفكري والفلسفي فهو الداروينية السياسية وأقصد به الآلية التي تحكم اللعبة السياسية بشكل عام.
الداروينية السياسية تعمل بشكل مشابه لعمل التطور بالانتخاب الطبيعي على الكائنات الحية فالنتائج والتغيرات التي نراها يوميا على المسرح السياسي المحلي والدولي لا تفترض انها الأفضل والأمثل أو انها أذكي الاختيارات فقد يري شخص ما يعيش في منطقة الشرق الأوسط تغير سياسي في دوله أوروبية مثلا انه رائع ومثالي والأفضل لكن قد يري اسيوي المشهد بشكلأخر بل قد يراه مواطن هذه الدولة الأوروبية بصوره مغايره تماما فكل بيئة لها عواملها التي تحكم مسار أفرادها وقدرتهم على التأقلم مع التغيرات وكيفية التأقلم على سبيل المثال:
يطرح كثيرا بعض المفكرين والسياسيين ان العملية الثورية تكون مرتبطة وسبقتها مرحله
من التنوير الثقافي على غرار الثورة الفرنسية والأمريكية لكن هذا لا ينطبق على الواقع فحتي الثورة الفرنسية التي تعتبر منارة التنوير والحداثة للعالم كله الأن حدثت بها مجازر دامت سنوات ولم يشفع لها انها كانت مسبوقة بثوره فكريه وهذه القيم كالحرية والآخاء والمساواة لم تنطبق وقتها على الأفراد الذين خضعوا لعمليه من التخوين المتبادل وتصفية الحسابات والانقلابات لكن هذا لم يمنع انها انتهت الي صوره حداثيه ترعي قيم الحداثة ونظره عقلانية للعالم متمثلة في منهج علمي ومنظومه علمانية وحقوق إنسان وديموقراطية ليبرالية.
فثورات اخري مثلا كالبلشفية والصينية والإيرانية اتخذت مسار مخالف برغم ان البداية
كانت توحي بمسار يشبه ما اتخذته الفرنسية من دموية وتصفيات واقصاء لكنها صنعت نماذج استبداديه فاشيه بعيدا عن المناخ العالمي الذي يحمل قيم الحداثة، فالنظرة الحتمية للتاريخ لا تحدث في الواقع فالنتائج هنا تتخذ مسارات مختلفة وان تشابهت مقدماتها في صوره أشبه بتأثير الفراشة المعروف في نظرية الفوضى والتي تشبه أيضا عمل التطورفالعملية تبدأ بأحداث بسيطة يبدو للبعض انه يمكن التنبؤ بها والتعامل معها ثم تتخذ مسارات معقده يصعب التنبؤ بها بعد ذلك.
الثورات العربية كمثال أخر قد يطرح لنا شكل ثالث أو حتى مزيج للأشكال السابقة من الثورة فالبداية هنا لم تعرف حركه تنويريه أو بذور ثقافيه في التربة لكي تبني على أساساتها بعد ذلك مسارات الثورة فنجد البداية الدموية كما حدث بليبيا ونجد البداية السلمية كتونس ومصر واليمن ثم ما تلي ذلك خلال فترة اللعبة السياسية الانتخابية فما شاهدناه لم يكن ببساطه سوي عمليهانتقائية (الداروينية السياسية تلعب دورها) تظهر التيارات الأكثر ملائمه مع البيئة ولم تفرزالأفضل والأذكى (النماذج والأنماط الأوروبية كما حلم وتصور البعض) بل أخرجت منتج طبيعي من واقع البيئة هي الأصلح لها وللتعامل معها والتكيف مع متغيراتها بينما هناك منتج اخر يعيش في نفس البيئة لكنه يبدو كالجسم الغريب لا يستطيع التأقلم والتوافق فالمسارات الثلاثة للداروينية السياسية هي إما ان تستطيع التكيف والتأقلم مع البيئة وظروفها أو تغيير البيئة وظروفها لتلائم تصوراتك ورؤيتك او الفشل ومن ثم الاندثار وبرأيي التجارب السياسية وتغيراتها عبر التاريخ لا تمر إلا عبر هذه المسارات الثلاثة.
 وأصحاب مقولة ان السياسة لعبه قذره لا يستوعبون انه لا توجد ألعاب قذره وألعاب نظيفة بل مجرد ميكانزيم وعمليه تطوريه بشكل مستمر لا تتوقف، وإذا تعطلت أو اصطدمت بواقع لا تستطيع تغييره او لا تستطيع التأقلم معه فسيتم استبدالك وتجاوزك ببساطه فأليات الداروينية السياسية هنا بارده عمياء لا تحابي أحدا وكذلك لا ترحم أحدا.     


هناك تعليق واحد: