الخميس، أكتوبر 25، 2012

عبد الغفار الديواني يكتب: الدور الغائب: الرأي العام المصري بعد الثورة

 لا تختلف ثورة 25 يناير في اهدافها كثيراً عن غيرها من الثورات، فقد بدأت شرارتها وتوهجت للمطالبة بالإصلاح والقضاء علي مظاهر الظلم والفساد والتهميش السياسي، وتحولت فيما بعد إلي تحقيق تغيير جذري تتجاوز مسألة ازاحة نخبة حاكمة واحلال اخري، ولكن ارتبطت الثورة كغيرها من الثورات بآمال وتطلعات برؤية جديدة في النظام الاجتماعي والسياسي، هذه الرؤية تقوم علي الاعتقاد في إمكانية اعادة هيكلة المجتمع بشكل كامل واحداث تغيير بعيد المدي في المؤسسات القائمة، يتضمن بالضرورة توسيع مشاركة المواطنين في المجالات السياسية وتحركهم نحو مراكز العملية السياسية.
من الملاحظات الواضحة بعد نجاح بعض الثورات العربية، ان المجتمعات بعد الثورة، اصبحت أقوى من الدول. فهناك تصنيف تقليدي لعلاقات الدول والمجتمعات في المنطقة العربية، يقرر أنه (كانت) هناك دول أقوي من المجتمعات كحالة مصر وسوريا، ومجتمعات أقوي من الدول كحالة لبنان، ودول تتعادل فيها قوة المجتمع والدولة كالجزائر والكويت. والان بدأت المعادلة تسير في اتجاه واحد، فقد بدأت المجتمعات تتزايد في قوتها لدرجة تجعل الدول تواجه تحديات وصعوبات في القيام بمهامها الاساسية، على الاقل في حفظ الأمن.
  ذلك الصعود في قوة المجتمعات بعد الثورات ينعكس بشكل رئيسي على الاوضاع الداخلية مما يسبب حالة من عدم الاستقرار السياسي طويلة المدي، فلن تكون هناك قيادات قوية او احزاب مسيطرة على المجتمع، كما ان الجماهير ستظل قوة ضاغطة من الشارع على الجميع، بشرعيتها الخاصة، ولفترة ممتدة قد تتعدي المرحلة الانتقالية في الدول ما بعد الثورة. وبالطبع هذا الوضع سوف ينعكس على السياسة الخارجية والسياسيات الدفاعية وسياسات الأمن القومي لدول المنطقة في الفترة المقبلة مما قد يؤدي إلى اضطراب العلاقات الإقليمية، تلك الحالة التي ستشوبها موجة من الحرج وانعدام الثقة، مما يودي إلى سياسة خارجية غير مستقرة لفترة قادمة.
  معظم الدول العربية ومنها مصر، بدأت تشهد استثناءات في ادارتها لعلاقاتها الخارجية خلال فترة الثورات وما يعقبها، وهو ما يصعب التعويل عليه في تحليل ما قد يجري خلال الفترة التالية حيث أصبح هناك مؤثر جديد لم يوجد من قبل في عصر النظم البوليسية، وهو الراي العام من خلال الاحتجاجات الداخلية والتي طالت العلاقات الخارجية، وبالتالي فإن المؤسسات الرسمية للدولة ستواجه عادة مجموعة من الإشكاليات قد تحيط بها في المستقبل، ومن أهم هذه الإشكاليات:

- تراجع فكرة الخارج و سيطرة المهام الداخلية: وهو ما شهدته الثورة المصرية بعد نجاحها في الاطاحة بنظام مبارك لفترة، وذلك نظراً لحالة عدم الاستقرار الداخلي من ضغوط سياسية وانهيارات امنية واقتصادية، أو من الممكن ان نقول ان الثورة دفعت بتيار جارف من الإشكاليات العامة ذات الطابع القانوني غالباً، والتي قد تدفع بحاجة ملحة في حالة المعاهدات الدولية، وتطرح سؤال عن مدي الالتزام بها، أو الاتفاقيات الخارجية التي يوجد تذمر داخلي منها، أو الترتيبات القانونية لحزمة الاموال أو استعادتها من الخارج والتعامل مع رموز الانظمة المنهارة.

- ظاهرة الشعبوية (الجماهيرية): وهي حركات لها ميزة اساسية هي الإيمان بمحورية دور الشعب في العملية السياسية، التي يجب ان تعكس الإرادة الشعبية ولذلك فان هذه الحركات لديها نفوراً من النخب والمؤسسات السياسية المختلفة التي تقف حائلا بين هذه الارادة الشعبية وتحقيق اهدافها. وهذه الحركات مرتبطة بحركة الشد والجذب بين وجهي الديمقراطية، "البرجماتية" ويقصد بها صنع القرار من خلال المؤسسات الرسمية عبر توافقا وتفاعلات أعداد كبيرة من الفاعلين السياسيين، والوجه الثاني "المثالية" التي تمثل فيه الديمقراطية طريقة لحياة أفضل من خلال تطبيق ارادة الشعب لأموره، وتنفذ أرادته في تحديد مستقبله. ومن أهم خصائص الشعبوية:

·        قد تجعل المؤسسات حساسة ازاء توجهات الرأي العام بعد التغير، بما قد يؤدي إلى شلل السياسة الخارجية خلال فترات الازمات، ففكرة الطابع الوحدوي او الرسمي للسياسة الخارجية قد تتأثر.
·        تظهرا ثناء فترات الاضطراب والكوارث والحروب والتغيير والثورات.
·        تصعد هذه الحركات قيادات سياسية جديدة تتميز بالكاريزما والجاذبية تنجح في اقناع انصارها باي هدف.
·        يغلب عليه الجانب العاطفي معتمد على مشاعر الغضب والخوف.
  بشكل عام يعد الرأي العام (المظاهرات والاعتصامات) أحد المحددات التي تؤثر في السياسة الخارجية. وفي هذا المجال، يمكن التمييز بين اتجاهين رئيسيين، يعبر عن الاتجاه الأول الفكر الواقعي، الذي يجادل بعدم تأثير المظاهرات والاعتصامات في السياسة الخارجية. ويستند في ذلك إلى عدم معرفة وعدم اهتمام الرأي العام عموما بقضايا السياسة الخارجية، حتى في أكثر الدول الديمقراطية، لأن هذه القضايا لا تؤثر مباشرة في توزيع الموارد داخل المجتمع.

ويعبر عن الاتجاه الثاني الفكر الليبرالي، الذي يرى أن المظاهرات والاعتصامات تؤثر في السياسة الخارجية من خلال ثلاثة مداخل رئيسية.

 يتمثل المدخل الأول في ضبط الأجندة، فتكرار التظاهرات والاعتصامات حول قضية ما قد يدفع صانع السياسة الخارجية إلى الاهتمام بها دون غيرها، بما قد يسهم في إعادة ترتيب أولويات القضايا لديه.

ويتمثل المدخل الثاني في تعريف الأطر العامة للسياسة الخارجية، بمعني أن المظاهرات والاعتصامات قد تضع ضوابط معينة على قدرة صانع السياسة الخارجية على اختيار بدائل معينة، أو تحدد له الأطر الرئيسية للخيارات الممكنة. وإذا تخطي هذه الضوابط، فقد يواجه باشتداد وتيرة المظاهرات وحدتها ضده.

ويتمثل المدخل الثالث في تحديد السياسات، حيث تؤثر في نوعية الخيارات السياسية التي يتبناها صانع السياسة الخارجية. وغالبا ما يسير هذا التأثير باتجاه منع القائد السياسي من تبني سياسة معينة أكثر من دفعه إلى تبني سياسة بديلة، وهذا النمط من التأثير نادر الحدوث في مجال السياسة الخارجية. في واقع الأمر، تبدو مقولات النظرية الواقعية أقرب إلى التطبيق، حيث تؤكد العديد من التجارب، حتى في الدول الديمقراطية، أن الحكومات لا تخضع للضغوط الشعبية، خاصة فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، سيما أن إدارة معظم هذه القضايا يتم في إطار قنوات بالغة السرية، تفاديا لردود الأفعال الجماهيرية، التي قد يكون دافعها عدم درايتها بما يجري خلف الكواليس في مسار العلاقات بين الدول.

والمثال الواضح على ذلك هو أحداث السفارة الإسرائيلية التي وقعت في مصر، فرغم أنها وقعت في أكثر الفترات التي يؤثر فيها الشارع المصري في السياسات، فإن ما شهدته مصر من مظاهرات، بهذا الخصوص، لم يسفر في النهاية عن تحول استراتيجي ملحوظ في العلاقات بين مصر وإسرائيل، ولم يتجاوز حدود لفت نظر الحكومة إلى ضرورة إعادة ترتيب أوراقها في العلاقة مع تل أبيب، سواء كان ذلك في مسار قضية تصدير الغاز المصري لها، أو الملف الفلسطيني، أو فيما يتعلق بالصراع العربي -الإسرائيلي بشكل عام.

وعامة، فإن تأثير المظاهرات والاعتصامات في السياسة الخارجية، وفي عملية صنع القرار بصفة عامة، يتأثر بعدة عوامل:
·        مدى اتفاق القيادات السياسية على التعامل مع قضايا السياسة الخارجية، فكلما كانت متفقة على اتباع سياسة معينة في قضية ما، قلت درجة استجابتها لضغوط المتظاهرين أو المعتصمين. وبعبارة أخرى، فإن تأثير المظاهرات والاعتصامات في قضايا السياسة الخارجية يكون محدودا، إذا تعارضت مع منطلقات ثابتة في هذه السياسة، ومع معتقدات راسخة لدي صانعيها.
·        أهمية القضايا المثارة، حيث يزداد التأثير، إذا كانت القضية المثارة ذات أهمية مركزية بالنسبة للمتظاهرين أو المعتصمين.
·        مدى اتفاق المتظاهرين حول القضايا المثارة، فكلما كان هناك توحد في موقف المتظاهرين من القضية، زادت درجة التأثير، والعكس في حالة الانقسام.
·        مصالح الدولة الخارجية، فإذا كانت مطالب المتظاهرين أو المعتصمين تمس مصالح حيوية للدولة في الخارج، أو لجماعات مصالح قوية، فإن درجة التأثير تكون محدودة.

ولكن هناك حاجة لتأكيد أن السياسة الخارجية في النهاية تتضمن عددا من العناصر، مثل السرية، والمفاجأة، وتعدد المعلومات، مما يجعل عملية اتخاذ قرار معين مرتبطة بالحسابات الخاصة بالقائد السياسي، أكثر من كونها استجابة للمظاهرات والاعتصامات. وبالتالي، فإنه عند تحليل تأثير المظاهرات والاعتصامات في السياسة الخارجية، حتى في حالة الدول التي تصاعد فيها تأثير الشارع في الحياة السياسية، مثل حالة مصر، لا بد أن يتم التمييز بين الخطوط الأساسية للسياسة الخارجية، واتخاذ القرار في مجال معين لتلك السياسة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق