الثلاثاء، أكتوبر 23، 2012

سمير رمزي يكتب :غياب الرأسمالية الوطنية ومدى انعكاسه على الوضع السياسي المصري

عادة لا تنجح الثورات والمشاريع السياسية التي لا تعتمد على عناصر اقتصادية وطنية تستطيع ان تساهم في تحقيق انتعاش اقتصادي تستطيع من خلاله ان تحقق قبولا شعبيا وشرعية سياسية ، خاصة اذا كانت تفتقرتلك القوي  الى مشروع اقتصادي واضح ، وفي حالتنا المصرية يصعب ان نتناول ثورة 1919 علي سبيل المثال بعيدا عن مشروع طلعت حرب الاقتصادي فلقد ساهم الرجل بفكره الاقتصادي الوطني في دعم التيار الليبرالي الوطني المصري في تلك الحقبة الزمنية  والقضية الوطنية المصرية بصفة عامة فلقد كان لدي طلعت حرب قناعة بأن الاستقلال الوطني السياسي لن يتحقق بدون استقلال اقتصادي ايضا ، فدعا في عام 1911  اثناء انعقاد المؤتمر الوطني الأول – والذي يضم معظم القيادات الطبيعية والأعيان المصريين- الى انشاء بنك وطني مصرى يحقق الاستقلال الوطنى الاقتصادي ، ولقد تعطل تنفيذ المشروع بسبب قيام الحرب العالمية الاولي ، الا انه نجح في انشاء البنك الذي سيعمل علي انشاء قطاع صناعي مصري وتجميع مدخرات المصريين لاستثمارها في صناعات وطنية في 1920 واستطاع الرجل ان يساند اهداف ثورة 1919 وينشأ اقتصاد وطني حقيقي .
وأدركت حركة الضباط الاحرار في 1952 بعد استيلائها على السلطة ذلك العنصر الهام لكنها استعاضت عنه برأسمالية الدولة عن طريق تأميم ومصادرة روؤس الأموال الوطنية واستثمار الدولة عن طريق القطاع العام.
إلا أن الأمر يبدو مغايرا اذا تعلق الأمر بثورة 25 يناير ، فبعد مرور مايقرب من عامين علي قيام الثورة لم يظهر بديل اقتصادي وطني يتبني فكرا مساندا للثورة ويعمل علي تحقيق انتعاشة اقتصادية او المساهمة في عملية التنمية والتي تتصدر بدورها المطالب الشعبية  خاصة مع حالة الانهيار التى يمر بها الاقتصاد المصري (بلغ عجز موازنة الحكومة المصرية 50 مليار جنيه  في الربع الأول من السنة المالية الحالية 2012-2013 و تقدر الحكومة إجمالي العجز المتوقع فيها بنحو 135 مليار جنيه)  ، فبينما تتصارع الفصائل السياسية المختلفة على السلطة وكتابة الدستور واعداد خارطة انتقال سياسية ، لم يهتم اى فصيل سياسي بانشاء بديل اقتصادى وطنى  لنظام مبارك الذي اعتمد على مجموعات  من رجال الأعمال يشوب بعضها الفساد السياسي .
والاكثر من ذلك ان هذة الفصائل السياسية لم تهتم حتى بطرح وتسويق إطار نظري لعملية انقاذ الاقتصاد الوطني سوي مطلب استرداد الأموال المنهوبة في الخارج وهو المطلب الذي تتبناه كافة القوي السياسية.
والاخطر -وإذا استثنينا القوي الاسلامية -فإن كافة الفواعل السياسية المصرية الداخلية تعاني من أزمة حادة في تمويل نشاطها السياسي وهو مؤشر واضح على مدي استعداد تلك القوي لبناء اقتصاد وطني بديل وتلجأ عادة الى عدد محدود من رجال الأعمال المصريين كممولين اثناء الاستحقاقات الانتخابية، ولكن تظل عملية التمويل السياسية في أزمة مما يفسح المجال للقوي الاسلامية للعب الدور الأبرز في المعادلة السياسية الداخلية.
ولا يعود الأمر الي افتقاد مصر لروؤس أموال كبيرة فاذا مررنا مرور موجز علي روؤس الأموال المصرية سنجد روؤس أموال كبيرة بالحد الذي يسمحلها بقيادة مشروع اقتصادي وطني علي ادني تقدير فعلي سبيل المثال تحتل عائلة ساويرس المركز 23 في قائمة اغني 50 عربيا وفقا لمجلة أرابيان بيزنس  برأس مال قدره 4.20 مليار دولار امريكي وتقوم المجموعة باستثمارات واسعة في الجزائر بلغت في 2008 حوالى مائة مليار جنيه مصري بالاضافة لاستثمارات اخري في اوروبا واسيا ووسط افريقيا واتجهت تلك المجموعة الاقتصادية الى الاستثمار بالخارج  بشكل كبير بعد الثورة خاصة بعد وصول الاسلاميين للحكم  ، ومن المفارقات هنا ان تلك المجموعة اتجهت للعمل السياسي بعد ثورة يناير وقامت بتأسيس حزب ليبرالى هو حزب المصريين الأحرار ليلعب دور المنافس القوي للقوي الاسلامية الا ان ذلك الحزب لم يروج لأهم اداوته وهى انتمائه لمؤسسة اقتصادية ضخمة عن طريق اقامة مشاريع اقتصادية كبيرة كان من الممكن ان تلعب دورا في رسم ملامح مختلفة للمعادلة السياسية المصرية وفضلت تلك المجموعة الاقتصادية عدم المخاطرة بمصالحها الاقتصادية بالرغم من تضرر تلك المصالح من الوضع الحالي للمعادلة السياسية الداخلية بالفعل ، وليست عائلة ساويرس وحدها هي من فضلت ذلك ، فهناك رجل الاعمال المصري الأصل فايز صاروفيم الذي يحتل المرتبة ال 189 في قائمة اقوي 500 شخصية عربية في 2012 في التقرير الصادر عن نفس الجهة وتدير اليوم شركاته في الولايات المتحدة الامريكية  استثمارات محافظ لشريحة واسعة من العملاء ، بالإضافة إلى خطط معايشة، ومؤسسات، وهبات بقيمة إجمالية تصل 34 مليار دولار ، ومجموعة طلعت مصطفي التى تتمتع باستثمارات كبيرة في دول الخليج ، ومحمد شفيق جبر ومحمد رشيد وغيرهم من رجال الأعمال المصريين بما يجعلنا محل تأكد من وجود مؤسسات اقتصادية مصرية تستطيع ان تلعب دور وطنى في بناء الاقتصاد

ونعزى عزوف تلك المؤسسات عن القيام بمهمتها الاقتصادية الوطنية الى عدة عوامل من بينها:

1-      غياب الوعي السياسي لدي صناع القرار في تلك المؤسسات الاقتصادية
2-      عدم الاستقرار السياسي خلال عامين بعد ثورة يناير
3-      حصار القوي الإسلامية لتلك المؤسسات (الحملة السلفية ضد موبينيل، تهديد مرسي بفتح ملفات الفساد لدي اوراسكوم ومجموعة طلعت مصطفي في خطابه بمناسبة ذكرى نصر اكتوبر)
4-      تشكل معظم الاقتصاديات المصرية القوية اثناء عهد مبارك في بيئة اقتصادية غير سليمة
5-      افتقاد الاقتصاد المصري الى بنية تشريعية تحفظ حقوق المستثمرين الوطنيين

ولكن يظل هدف انشاء بديل اقتصادي وطني هو هدف ملّح لدي القوي السياسية خصوصا في افتقاد القوي الإسلامية لمشروع اقتصادي اخر فاقتصاديات القوي الإسلامية ترتكز على العمليات التجارية وهي عمليات لا تصلح لانشاء اقتصاد وطني قوي، والقوي السياسية التي ستعمل على انشاء مشروع اقتصادي وطني ستستطيع ان تشكل الرقم الأصعب في المعادلة السياسية الداخلية، فالمشروع الاقتصادي الوطني هو الفريضة الغائبة في النظام السياسي المصري.






هناك تعليق واحد: