الأحد، سبتمبر 30، 2012

محمود صلاح : المــؤرخ ...ثائر كان هناك.

في صياغة التاريخ والأحداث البارزة فيه دائماً ما برزت عبارة كانت تعبر عن التشكيك في محتوى هذا السرد، العبارة هي "الــمؤرخ رجل لم يكن هناك " وكان يتم الدفع بها تجاه أولئك الذين يصوغون أحداث تاريخية مضت منذ أزمنة غابرة!
لكن هذا فى السرد التقليدى لتاريخ الأحداث..أما بخصوص الحديث عن توثيق وسرد لوقــائع ثورة قام بها ملايين من الجماهير ,فان الكلام بالطبع سيختلف ,ليس فقط لأننا أمام ثورة "بكل ما تحمله الكلمة من معان" ,أيضاً لأن الأفواج التى خرجت فى مختلف أقطار العالم العربى تطالب بالحرية ,لم تكن وسائلها عادية فى ابراز تلك المطالب ,بل أن تفرد تلك الوسائل من شبكات تواصل اجتماعى ,وإعــلام إلكترونى تصنعــه الجماهير ,جعل من كل ثائر نزل للشارع بمثابة سارد جديد –وغير مؤدلج- للتاريخ..,وجعلنا نحن إزاء تــاريخ موازى بالكامل يمكن أن نعتبره تـــاريخا" بديلاُ لذلك التاريخ الذى صاغه رجال الطغــاه وزبانيتـــه.
ثمة معركة نشبت ابان ثورات الربيع العربى ,لصياغة تاريخ جديد تشكلت ملامحه على أيدى ثوار التحرير فى بلدن الربيع العربى , ما بين شرعية الجماهير التى صنعت ملحمة بطولية تريد أن تدونها فى سجلات التاريخ ,وبين بعض القوى من فلول الآنظمة المستبدة التى تريد نسب بعض الوقائع لها والالتفاف مرة أخرى على إرادة الملايين من الجماهير , إلا أنه فى زعمنا أن تلك المحاولات محكوم عليها بالفشل ,ونتيجة طبيعية تحدث فى أعقاب الثورات ,حيث يناضل المنتفعين من تلك الآنظمة لابقاءها , إلا أن أحدهم لم يدرك بعد أننا فى خضم حركة تاريخ ,مخطىء من يتصور أن بامكانه عرقلتها أو منعها من المضى قدماً.
وعلى هذا الأساس كان نضال الجماهير على محورين فى ذات الوقت سواء أثناء وقائع الثورات أو بعد إنتهائها فحين كانت الحشود الغفيرة تناضل فى الشوارع فى مواجهة قمع عساكر النظام كان آخرون بينهم يقومون بتوثيق كل ما يجرى سواء عبر صور فوتغرافية أو بتدوين أحداثه على شبكات التواصل الاجتماعية أو برسمه على الجدران " الجرافيتى" يحدث هذا بشكل موازي ومواكب لكل ما يحدث وبنفس العزيمة والاصرار، وحلم فى تدوين "تاريخ جديد".
          1. الربيــع العربى ومصـــادر التاريخ البــديل
لأن التاريخ يسطره المنتصرون فى كثير من الأحيان يتمثل التحدى الأكبر لثورات الربيع العربى في بسط تاريخها الخاص، التاريخ الذي سيعبر عن الملايين التي صنعت أحداثه، التاريخ الذي سيتعارض حتماً مع ما قبل الربيع العربى من تواريخ لم تكن تعبر إلا عن حقب الطغاه. ولأن الثورة -أي ثورة -تجب ما قبلها، فان فرص العودة للماضى وإلقاء نظرة مغايرة للتاريخ الذي قامت الثورة بطمسه –نظرة موضوعية – قد تكون كبيرة، وباعتبار أن ذلك إمتداد للتاريخ البديل الجارى صياغته.
وأهمية النظرة الموضوعية لتاريخ ما قبل الثورات ,إبان حكم الطغاه ,فى أنه يمنع من صياغة التاريخ على هوى الثوار الجدد , وتعصباً لثورتهم الجديدة ,ولتلافى إستنساخ جديد لنظام قديم , قد يكون شعاره "نفاق الثورة والثوار" , مما قد يؤدى لكونها لا تختلف كثيراً عن النظام البائد , إلا أن الفيصل هنا هو مرجعية التاريخ ومصادره , فبينما كان مصادر تاريخ ما قبل الثوارت تنحصر فى المستبد وطغمته ,تعتبر مصادر التاريخ فى الربيع العربى فى كل شهاده أو صورة أو تدوينة أو رسم على حائط ,أو أى شكل من أشكال توثيق وتدوين الوقائع قام بها من شارك فى أحداث هذه الثورات ,ولأن هذه الثورات لم تكن ثورات نخب فى الأساس – على أهمية دورها- الأمر الذى يمنع إنحصار تدوين وصياغة التاريخ فى أيدى نخبة جديدة قد تدونه وفقا لمصالحها الذاتية.
2. صياغة التاريخ بين شبكات التواصل الاجتماعية ورسومات "الجرافيتى"
أولا: الشبكات الاجتماعية
يتمثل تفرد ثورات الربيع العربى فى الوسائل المستخدمة فى إشعالها , وتجدر الاشارة هنا أن الوسائل التى إستخدمت لحشد الجماهير هى ذاتها الوسائل التى إستخُدمت فى توثيق وتدوين وقائع الثورات العربية ,فشبكات التواصل الإجتماعية التى إستخدمت على نطاق واسع - خارج سيطرة زبانية النظام- فى فضح ممارسات الأنظمة القمعية ,وفى حشد الجماهير للنزول للشوارع والميادين للمطالبة بحقوقهم وحرياتهم المسلوبة , تم إستخدامها بعُيد الثورات فى عمليات تدوين الوقائع ,عبر تجميع وتوثيق مرئيات ومشاهد الثورة خلال جميع مراحلها , وسنتناول الدور الذى لعبته الشبكات الاجتماعية فى ثورات ربيع العربى كالتالى:
·        الشبكات الاجتماعية كأداة نضال ضد النظام
لم يجد الشباب طريقـاُ للنجاه من عسف النظام سوى الهروب الى واقع إفتراضى علَهم يجدوا حلاً يمكن تطبيقه فى الواقع الإفتراضى وعلى مدار سنوات إستخدمت شبكات التواصل الاجتماعية فى كشف عوار الأنظمة الديكتاتورية والإعداد لثورة لتقويض هذه الانظمة من جذورها، ونشأت على الانترنت ما يمكن تسميته " الوعي الجمعي الرقمي " شباب كثر يحملون هدفاُ واحداُ ويتحملون هماً مشتركاُ.
وساعدت أحداث بارزة ناشطو الشبكات فى توسعة نطاق الدعوة للحشد ,كان أبرزها إستشهاد الشاب التونسى محمد البوعزيزى متأثراً بالحريق الذى أشعله فى نفسه نتيجة قمع السلطات , وإستشهاد الشاب خالد سعيد فى الاسكندرية على أيدى مخبرى الشرطة بعد أن تم سحله حتى الموت .
هاتان الواقعتان تحديداً كانتا بمثابة الشرارة الأولى لثورات الربيع العربى , واللذان تما إستخدامهما بكثافة فى الدعوة وحشد الجماهير لإسقاط النظام.
·        الشبكات الاجتماعية كشاهد على العصر
لم ينته الدور الذي لعبته الشبكات الاجتماعية بنجاح الثورات في إسقاط الطغاة بل استمر وظهر أهميتها فى أرشفة الثورة، فانطلقت مبادرات فردية عديدة عبر مواقع ومنتديات إلكترونية فى تسجيل وقائع الثورة، وصُنعت أفلام ومواد وثائقية لتتبع لحظات الثورة عبر مشاركات الناشطين على "فيس بوك " ونُشرت كتب تتناول تغريدات مستخدمى موقع "تويتر" إبان الثورة.
ولم تكن المبادرات بشكل فردى فقط، فعلى المستوى الرسمي إتجهت بعض أجهزة الدولة فى مصر للإستفادة من سطوة الشبكات الاجتماعية في توثيق أحداث ووقائع الثورة.
خلاصـة:
إذا ما قـُدر لثورات الربيع العربى أن يكُتب لها ما تمنى لها مشعليها، فسيتذكر الجميع دوماً أن تاريخاً جديداً قد تشكل بفضل حماس شباب ثائر أجاد إستخدام مقدرات عصره من تكنولوجيا لتدشين عصره الجديد , تاريخ لم يعُرف بعد كيف يمكن أدلجته ,لأن من صاغه ليس فرداً طاغية ولا طغمــة مستبدة ,بل جماهير ثائرة كان أول ما هدمته هو تاريخ حقب الطغاه , وتدوين تاريخها الجديد , الذى يعبر عنها .
فى كل صيحة غضب ورفع علم وسقوط شهيد وإزاحة صنم وجسارة جماهير في ثورات الربيع العربي، كان ثمة من يسجلها في لحظة حدوثها، سواء بصورة أو بتدوينه أو تغريده أو رسمة حائط، ثمة ثائر لم يجد أفضل طريقة لنصرة الثورة سوى تدوينها. للتـــاريخ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق