الجمعة، سبتمبر 28، 2012

عبدالله صابر يكتب : علمانية ينكرها أصحابها

 نعم ينكر الكل العلمانية تحت شعارات الحداثة، المدنية، التنوير، التقدمية، التحررية، العقلانية. لماذا ينكرها أصحابها إذاً ويرفعوا المرادف الآخر لها؟ هل لأنها أصبحت كلمة قبيحة مذموم صاحبها وما يحمله من أفكار، إذا فقد نجح ميراث الجهل المتفشي بين الناس في سيطرة فريق عليهم وجعل منها كلمة هدّامة مخالفة للنظام العام، ومن يحمل الأفكار العلمانية هو كافر وزنديق ومارق من رحمة الله والكل يريد الجنة مبتغاة.

من لا يعلم كيف سقط أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد المفكر الليبرالي العظيم في الانتخابات النيابيّة لاعتناقه الفكر الديمقراطي، حيث أشاع منافسوه انه راجل ديمقراطي والديمقراطية كفر وإلحاد والراجل يبادل زوجته لآخر وكانت النتيجة حين أجاب عن سؤال عن كونه رجل ديمقراطي فشل في الانتخابات، لقد نجح المنافس في استغلال الجهل وقلة المعرفة ليسيطر على عقول الجماهير ليشيع الأكاذيب ويبيع لهم الأوهام ويغتال المنافسين معنويا لأنهم ليسوا متخندقين معه في نفس الخندق ولا يفكرون مثله بنفس السبل.

إذا سألت أحد المارة في الشارع عن الليبرالية و العلمانية لمدح الليبرالية و سب وذم وقرّح في العلمانية بوصفها مرادفة للكفر و الإلحاد وسبّة لأصحابها ، فصارت كالمعشوقة السريّة التي يمجّدها صاحبها في السر ولا يقوى على الاعتراف بها في العلن ، أصحابها ينكرونها تحت مرادفات مقبولة اجتماعياً بين الجماهير وأقرب مثال هنا هو مصطلح القوى السياسية المدنية و الدولة المدنية فهي حقيقة الأمر قوى علمانية ضد القوى الدينية لكن لدمامة و سوء فهم العلمانية بين العوام ينكرونها بل الأغرب أن تعلن أحزاب تصف نفسها بأنها ليبرالية و مدنيّة بأن مرجعيتها إسلامية ومع المادة الثانية من الدستور كما هي لجذب العوام إليهم بدلاً من التنفير منهم بتهمة العلمانية الذميمة و كأنها مرض مُعدي لا تقْرب منه بعد نجاح تشويهها .

لا تعريف محدد ولا تطبيق واحد للعلمانية فهي وان كانت تُعلّي من قيم العقل والمنطق وتدحض كل ما لا يتفق مع العقل من أساطير وأكاذيب، فتطبيقاتها متباينة تباين شديد في إشكالية الدين معها بوصفها هي التحرر بعد عقود من محاكم التفتيش ومقاومة التسلط الديني وإنكار العقل والعلم فهناك إجمالا ثلاثة تطبيقات لها:
·        النموذج التركي: وهي علمانية ماركسية تعادي الدين وتنفر منه وتذمه بوصفه أحد مظاهر الرجعية ونشر الخرافات وترفضه.
·        النموذج الأوربي: وهو ما استقر بعد محاكم التفتيش و عصر الإرهاب إلى أن الدين لله و الوطن للجميع، فدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، فصل بين الدولة و الدين لا يمتزجان و لا يعادي أي منهم الأخر يقف كلا منهم على الحياد تجاه الأخر.
·        النموذج الأمريكي: هو التداخل البسيط بينهم فنواب الكونجرس يقسموا على كتبهم المقدس وتجد على أوراق العملة عبارة In God We Trust دعم متبادل بين الجانبين بل تداخل يزداد ويقل حيثما أراد الآباء المؤسسين للدولة أن قيم الدين هي تحض على الفضيلة مع أن عدد من الآباء المؤسسين كانوا ملحدين.

انه التعدد، الاختلاف، الجديد، الغير مألوف علينا احترامه وإن لم نتقبله دون خوف أو تشويه أو تجريح، فلا نريد أن نكون كائنات صماء ذات قوالب جامدة، حيوانات تسير على رجلين بدلاً من أربع، لا تفهم ولا تريد، فالحقيقة حتماً ستأتي عندما نأخذ من كل الآراء المتضادة ما هو مناسب.

أرى بعض القوى التي تمجد في الحريّات و تدعو لها تقرّح و تسفّه من المصريات المحجبات و المنقبات أيضا ، ومن عادات اجتماعية متأصلة اقرّها المجتمع و استقر عليها طويلا ، هل هو عدم اتساق في المواقف فيما هي تعلنه وما تبطنه ، فمصارحة الجماهير بحقيقة أفكارها هو عين الصواب بدلا من اللف و الدوران حول شعارات الحرية و الديمقراطية التي لا تطبقها فكل الأحزاب بلا استثناء تفتت بسبب انتخاباتها الداخلية ، إنْ كانوا لا يؤمنوا بالحريات و الديمقراطية بينهم فماذا هم فاعلون بنا ، شاهدتهم الجماهير يطرحون أفكار غريبة و بعيدة كل البعد عن قيم المجتمع المنتمون إليه ، أفكار غارقة في التغريب هنا لفظها المجتمع ولم ولن يقرب منها طالما لم تغير خطابها وتحيله إلى خطاب نابع من الواقع الذي نحياه ، فالمواطن البسيط الذي يسمع ويرى هجوم كاسح بدعاوى الحريات ما يراه إلا ابتزاز وإكراه للتحول إلى مسلك مغاير غير مهيأ بعد له .

نعم العلمانية التركية التي ولدت في شكل من العداء للماضي الإسلامي العثماني لا تناسبنا، جماهيرنا منذ أيام الفراعنة وهي تحيي بالدين وتريد الحياة دنيا وآخرة، فما يربطها من وشائج هي المعايير الدينية المختلفة، التدين ليس عيبا ولا حرام في العلمانية، إنما الغلو فيه والتعصب هو التطرف الديني كما يقابله أيضاً تطرف علماني يعادي الدين، علينا العيش بالتسامح واحترام الآخر أيا كان، يصف المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري نفسه قائلاً "أنا ماركسي على سنة الله ورسوله “فكسب ود واحترام جميع الأطراف.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق