الأحد، سبتمبر 16، 2012

محمد عبدالدايم يكتب : الإساءة للرسول...والغضب الساطع آت


ليست هذه المرة الأولى التي يُنتَج فيها عمل يسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى دول الغرب، ولن تكون الأخيرة، طالما يوجد موتورون متعصبون، وكالعادة حينما يحدث أمر كهذا، ينتفض كثير من المسلمين غضبا، فتخرج مظاهرات ومسيرات، وترتفع حدة الهجوم على الدول الغربية، وتتعالى نداءات مقاطعة المنتجات المستوردة من الدول التي ظهر فيها العمل المُسيء، وغير ذلك من التحركات التي تبدو في ظاهرها تعبيرا عن حب رسول الله والدفاع عن العقيدة، غير أنها أحيان كثيرة تحمل إساءة لأصحابها أكثر ما تدافع عن عقيدتهم منهجهم، مثلما هو الحال إزاء مسألة الفيلم المُسيء للرسول الذي اشترك فيه بعض من أقباط المهجر.
لا أدري لماذا يُصر البعض على عدم الاقتناع بأن الإعلام والفن والرأي في الغرب غير مُؤتمرين بأمر الحكومات، فلا حكر هناك على فكر أو رأي أو مادة ثقافية أو دعائية إعلامية مهما كانت، ومن هذا المنطلق يستطيع أي فرد أو كيان أن يُنتج عملا يتناول فيه أي شيء، ويسيء أو ُحسن إلى أي شيء، إلى حد أن الذات الإلهية نفسها تعرضت للإساءة، هذا كله بعيد عن الحكومات، فلا دخل للإدارة الأمريكية بالفيلم الذي يسيء للرسول، وبالتالي لا دخل للسفارة الأمريكية في مصر، السفارة التي تظاهر أمامها المئات واعتلى أسوارها بعض منهم احتجاجا على الفيلم.
ليس النبي محمد أول الرسل الذين تعرضوا لإساءة في الإعلام أو الفن الغربي، فالمسيح عليه السلام أصبح مادة إعلامية وفنية يفعلون بها ما يحلو لهم، حتى أنهم أظهروه في إعلان يشرب مياه غازية، كل هذه الممارسات لا تستطيع الحكومات الغربية أن تحد منها أو تمنعها، لأنها ببساطة لا تستطيع الحجر على حرية إنسان في أن يفعل ما يشاء.
ليس مطلوبا من الحكومة والساسة الرد على هذه الأفعال، لأنها من جانب أعمال فردية لا تعبر عن توجهات الدول، ولأنها من جانب آخر لا تستحق الرد، فالفيلم أو الكاريكاتير أو الصور أو غيرها من هذه المواد المُسيئة للإسلام والرسول ليست إلا أعمالا همجية من أشخاص متعصبين موتورين من الإسلام لا يستحقون الرد قولا أو فعلا.
يشعر المرء بالحزن والحسرة لأسلوب الدفاع عن الدين والرسل، فالأمر لا يعدو كونه جعجعة بلا طحن، وتصرفات حنجورية جوفاء، تتمثل في الرد على الإساءة بإساءة، والتظاهرات المحلية، والسب والقذف، ومن شدة الأسف أننا أمة إذا غضبت انتفضت فقام أبناؤها بتغيير صورة "البروفايل"، ليتمخض الجبل فيلد في النهاية فأرا. فلا نحن أوقفنا الدعاية المُسيئة للإسلام، ولا عملنا على تحسين صورة الدين الحنيف الذي أسأنا إليه كثيرا بأقوالنا وأفعالنا.
وجد البعض في ظهور الفيلم المُسيء للرسول فرصة ليهاجم المسيحيين في مصر، وينتقد ديانتهم، ولا أرى في ذلك إلا همجية ورعونة وضيق أفق، بالضبط مثل المظاهرات التي تخرج منددة وتحمل شعارات تدافع عن الرسول، والتي تشبه حفل الفنان محمد منير للدعاية لملف مصر في تنظيم كأس العالم 2010، والذي أقيم عند سفح الهرم، وكأننا نقي حفلا في مصر للفوز بصوت أبي الهول مثلا.
الآن بعد ما حدث في القاهرة أمام السفارة الأمريكية، وفي بني غازي أمام القنصلية الأمريكية أصبح كل مواطن أمريكي لم يشاهد ولا يهمه أن يشاهد فيلما تافها أنتجه مغمورون يعتبر أن كل من تظاهر أمام سفارة فقتل أمريكيا أو اقتحم أو حرق علم الولايات المتحدة ووضع بدلا منه علم الجهاد ورفع صورة ابن لادن في ذكرى 11 سبتمبر ما هم إلا إرهابيين بالفطرة، ويا لها من طريقة بشعة للدفاع عن الإسلام والرسول تنقلب لتصبح خنجرا في صدورنا.
الحنجورية والتشدق بشعارات أن الغرب عدو الله والإسلام لا تسمن ولا تغني من جوع، بقدر ما تنقلب ضدنا وتظهرنا أمة الجعجعة والتخلف والشعارات الجوفاء، فقبل أن نتهم الغرب بالإساءة للإسلام يجب أن نتوقف نحن عن إساءة صورة الإسلام وتشويه صورة المسلم المتدين الحق.
يجب بداية أن نعلم إن تجاهل مثل هذه الإساءات يمحوها ويُسفّهها، فنحن فقط من نعطي أهمية للصور والأعمال الفنية والدعائية المسيئة للإسلام والرسول الكريم، ولو تجاهلناها ما لاقت مثل هذا الاهتمام ونسب المشاهدة، يكفي أن تعرف أيها القارئ أن رابط الفيلم المُسيء للرسول على موقع "يوتيوب" والذي ينال أكبر نسبة مشاهدات موجود على قناة تسمى المرصد الإسلامي. فلماذا نعطي الظاهرة ما لا تسحق من الاهتمام والنقد والمشاهدة؟!
بالنظر إلى حالنا يتضح أننا أول المُسيئين للإسلام، نحن أمة لا تعمل، لا تنتج، لا تفكر، لا يتحد أبناؤها، نختلف فيما بيننا، فهذا علماني، وهذا ليبرالي، وهذا إسلامي، ولا أعرف حقيقة ماذا تعني كلمة إسلامي، ما أعرفه فقط وأعترف به هو كلمة مسلم، نحن أمة شعارات فقط وصوت عال بلا داع، بلا نتيجة.
بدلا من الغضب الأحمق والتشدق بالشعارات الجوفاء يمكننا أن نكافح الإساءة للإسلام بالعمل، حينما نعمل لننتج ونفكر فنصبح دولة قوية لن يستطيع أحد أن يسيء إلينا، حينما نعمل فنناطح الدول الغربية قوة اقتصادية ودفاعية وعلمية وثقافية وثقل سياسي فلن يجرؤ أحد على الإساءة إلينا، حينما نسعى لتصدير صورة المسلم المتدين حقا سوف نزيل الشكوك ونواجه الإساءة لديننا ورسولنا، كيف ننتظر ألا يسيء أحد إلينا ونحن نعيش في فوضى وجهل وتعصب ديني وتخلف حضاري وثقافي وعلمي، كيف ينتظر ألا يسيء أحد إلينا ونحن اختزلنا الإسلام في بناء مساجد، وإنشاء قنوات ترفع شعارات الدين في حين أنها تنضح بكل ما يسيء للإسلام، ليخرج علينا مُدعي دين يسب هذا ويُكفِر ذاك، وقد ترك مُؤهله الأساسي الذي تعلمه سنوات ليتحول بقدرة قادر إلى "داعية" يُفتي في أي وقت، ويخطب بما يشاء، فيخسر المجتمع الإسلامي مهمته الأساسية كطبيب أو مهندس أو مُعلم أو مُترجم، وفي الوقت نفسه يُبتلى الإسلام برجل دين متعصب يعطي أسوأ صورة للدين، بلا من أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل المخالف له بالتي هي أحسن، فالإسلام ما انتشر بحد السيف، ولا بالصراخ على المنابر ولا في القنوات الدينية التي تزايد وتندد وتُكفِّر وتحصر الدين في نطاق الشكل، انتشر الإسلام لسماحة التجار الذين جابوا بلاد العالم واختلطوا بأهلها بأخلاقيات الدين السمحة الهادئة، انتشر الإسلام حينما أعطينا للعلم أهميته، فظهر الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم ، انتشر الإسلام في غياب الوظيفة المستحدثة "عالم دين"، فالصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب كانوا يعملون وليسوا علماء دين يتكسبون من العمل في القنوات الدينية.
لم نسع للعمل على نشر صورة الإسلام السمح، والمسلم المتعلم المثقف الهادئ المتسامح، وإنما رسخنا صورة التدين الشكلي الزائف، حتى لم نكلف أنفسنا أن نقتدي بالدول الإسلامية المحترمة، كماليزيا مثلا، الدولة الإسلامية التي فيها عشرات الأعراق والطوائف الدينية، ولا تشهد فتنة طائفية، في حين أن مادة الديانة في دستورها تقول :"حرية الدين مكفولة للجميع" فقط، ماليزيا الدولة الإسلامية الصغيرة التي شقت طريقها وسط النمور الأسيوية لا تدافع عن الإسلام بالصور والشعارات والقنوات الدينية وغيرها، وإنما تدافع عن الإسلام بالعمل والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي تستطيع به أن تنافس الدول العظمى فتجبرها على احترامها ومن ثم احترام الإسلام الحق الذي تستند إليه.
تراخينا كثيرا وسكتنا وعشنا عقودا في الجهل والتخلف والآن نواجه الإساءة للإسلام بشعارات الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ، فنتوعد المُسيء بالعقاب في الدنيا والآخرة، نرفع أصواتنا ونغير صور صفحاتنا الاجتماعية، ونتظاهر، ونحرق أعلام الغرب وإسرائيل، وقد نمنا سنين متجاهلين سرقة أوطاننا، وغرقنا في وحل الظلمات والجهل والتخلف، سمحنا بظهور حكام طواغيت سلبونا حريتنا وأمننا، واعتلوا ظهورنا عقودا، ورجال دين طواغيت زرعوا فينا التعصب، والآن نتهم غيرنا بالإساءة إلى الإسلام والرسول. مالكم كيف تحكمون؟!
الإسلام ليس في حاجة إلى الجعجعة بلا عمل، والشعارات الجوفاء والتدين الزائف، والرسول ليس في حاجة إلى نصرة عاطفية شكلية، فقد نصره الله تعالى، الإسلام والرسول في حاجة إلى مسلم قوي بعمله وعلمه وحضارته مستندا إلى دينه القويم الحنيف المُتسامح. استقيموا يرحمنا ويرحمكم الله.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق