الجمعة، سبتمبر 14، 2012

خالد عاصم يكتب : على خطى ستالين

عام 1929 وبعد صراع مستعر داخل اللجنة المركزية للحزب البلشفي، استطاع جوزيف فيساريونوفيتش الملقب بـ "ستالين أو الرجل الفولاذي" ان يعتلي قمة هيكل الحزب وبالتالي أصبح القائد الثاني للاتحاد السوفيتي خلفا لسلفه "فلاديمير لينين" منشيء الحزب البلشفي. لم يكن ليتوقع الكثيرون ان يستطيع ذلك الرجل ذو اللكنة الجورجية الصامت أغلب الوقت والذي يخشى الحديث أمام الجماهير ولا يستطيع ان يصمد كثيرا أمام أضواء الخطابات السياسية ان يعتلي قمة الاتحاد السوفيتي، خاصة في ظل وجود خصمة العنيد "تروتسكي" والذي كان يظن الكثيرون انه الأحق بأن يخلف لينين في حكم روسيا الجديدة، ولكن الأخير أزيح عن المشهد السياسي بفضل التحالفات السياسية التي استطاع ستالين ان يعقدها داخل اللجنة المركزية للحزب.
فور تولي ستالين قيادة الأمور بدأ في تصفية أعداءه من الديموقراطيين ومعارضي الحكم الشيوعي القسري في روسيا، ولم يقتصر الإقصاء على الشكل السياسي فقط بل امتد ليشمل التصفية الجسدية حتى وصل الأمر لتصفية كل قادة الجيش الأحمر ليعتلى مناصبهم القيادية كل من توافر فيه شرط واحد، الولاء الأعمى لستالين وللجنته المركزية البلشفية. وبفضل شرطته السرية استطاع ستالين ان يبدل كل معارضيه من داخل الحزب وخارجه في المناصب والمراكز القيادية بالاتحاد بهؤلاء الذين يدينون له بالولاء حتى استطاع ان ينفرد كليا بالسلطة في ثلاثينيات القرن الماضي. و لم يكن ستالين ليواجه أي معارضة شعبية وقتها حيث استطاع ان يوهم الجماهير السوفيتية بأنه يتخلص من أعداء الإتحاد و عملاء الدول الغربية الرأسمالية و بالطبع استعان ستالين بأعضاء الحزب البلشفي من الكوادر الإجتماعية و الإعلامية لبث تلك الفكرة داخل أوساط المجتمع السوفيتي آنذاك و هو الأمر الذي أعطى ستالين القدرة على حشد موافقات الشعب الروسي على تصفيته لخصومه السياسيين و العسكريين، و قد روج ستالين لأكذوبة قربه الشديد للينين و لدوره الذي لا يرويه غيره في الثورة الروسية "و التي أطلق عليها لفظ الثورة البلشفية" و ذلك لكسب المزيد من التأييد الشعبي لقرارات لا تؤدي إلا الى انفراد ستالين وحده بسلطة الاتحاد السوفيتي.
بعد ان استطاع ستالين ان يرسخ قواعد حكمه الديكتاتوري للاتحاد السوفيتي على المستوى الحكومي والتنظيمي، شرع في تغيير وجهة الاتحاد الى التبني القسري للفكر الشيوعي "بنظرة الاشتراكية المحلية" والتي واجهت العديد من المشاكل التنفيذية نتيجة تعنت الشعب السوفيتي في قبولها، ولقد استطاع ستالين ان يصل الى ما يستند عليه الشعب في رفضه لأفكاره الشيوعية من منطلق الأشتراكية المحلية. واكتشف ستالين ان اول العوائق التي تقف بينه وبين إيمان الشعب به وبأفكاره هو الله.
كانت روسيا تدين بالمذهب الأرثوذكسي والذي كان يقف حائلا قويا بين ستالين وبين تحقيق وجهة نظره الخاصة عن الشيوعية من ناحية وبين إتمام حكمه الكلي على الشعب السوفيتي من ناحية أخرى، فأراد ان تحل الشيوعية محل المسيحية وان يحل هو محل الله. أراد ستالين ان يَفقد السوفييت ثقتهم بإلههم لتحل محلها ثقتهم بقائدهم, فقام بفرض قوانين تقشفية من شأنها ان تقتل الشعب السوفيتي بسبب الفقر و الجوع، و قد كان له ما أراد حين هلك ملايين السوفييت نتيجة لتلك القوانين التي اتخذت شكل الإصلاح الاقتصادي و الزراعي, و خفتت حدة معارضة المزارعين الذين وقفوا في وجه قوانين ستالين و شرطته السرية بعد ان هلك منهم من هلك بسبب الجوع و التقشف و قتل منهم من قتل بيد الشرطة السرية السوفيتية, و كان تعليق ستالين الوحيد على الأحداث ان الاتحاد يواجه أزمات اقتصادية لا يمكنه سوى مواجهتها بقوانينه الجديدة، و بعد ان خارت قوى المعارضة الشعبية لتلك القوانين بدأ ستالين في نثر بعض فتات خيرات روسيا الى الشعب الروسي ليقنعهم بأنه هو و فكره الملاذ الوحيد للسوفييت بعد ان تخلى عنهم ربهم كما روج رجاله في الحزب البلشفي.
كان هدف ستالين إقامة حكم قد يختلف شكلا عن حكم قياصرة روسيا و طغاتها و لكنه لا يختلف مضمونا في أي شيء عن ذلك الحكم, و قد استطاع ان يحقق مراده نتيجة لما سبق ذكره في الفقرات السابقة، استطاع بالقاء الفتات للشعب الروسي ان يحقق ديكتاتوريته التي لطالما حلم بها، و استطاع ان يقنع الشعب السوفيتي بأن فكره و فكر حزبه هو الملاذ الوحيد لهم للنجاة و العيش و تحقيق ما يبتغونه من تحويل الاتحاد السوفيتي لدولة صناعية عظمى عوضا عن كونها زراعية بدائية، و استطاع ان يقود ملايين السوفييت الى محرقة الحرب العالمية الثانية مدعيا بأنهم يموتون من أجل المباديء و الأفكار الشيوعية لا من أجل ترسيخ حكمه و حكم حزبه، و استطاع ان يخمد كل اشكال الاعتراض و الثورة في عصره رغم هلاك ما يقرب الخمسون مليون سوفيتي بسبب حكمه الفاشي الاستبدادي، و استطاع أخيرا ان يورث هذا الإرث الى بلشفي اخر بعد موته.
الا تثير تلك الرحلة التاريخية المقتضبة عن تاريخ ستالين بعد الشكوك لديكم؟ الا يمكن الربط بين ذلك الماضي القريب وبين أحداث معاصرة نعيشها هنا في مصر؟ ماذا لو بدلنا بعض أسماء الشخصيات وبعض أسماء الأحزاب والجماعات !؟
ان مصر تعيش اليوم تحت حكم الإخوان المسلمين مقدمة ما عاشه الروس بعد ثورتهم الشعبية ضد طغاتهم، وأننا اليوم 
نواجه ما واجهوه هم في زمانهم. فلكم حق المقارنة والتحليل بين الزمانين، ولكم الحق حينها في نهاية مغايرة لنهايتهم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق