الخميس، أغسطس 30، 2012

عبدالله صابر يكتب: عيد وفاء النيل.

 عند مطالعتك لأعياد العام ستجد دوماً عيد منسيّ ومهمل ذكْره و الاحتفال به وهو عيد وفاء النيل الذي يوافق النصف الثاني من شهر أغسطس كل عام ، و شهر أغسطس هو الشهر الذي تبدأ فيه السنة المائية لجمهورية مصر ففيه يبدأ النهر في العطاء  بسبب الأمطار الغزيرة التي تهطل على الهضبة الإثيوبية التي تمدنا عبر النيل الأزرق - يعرف في إثيوبيا بنهر آبّاي ويتحد النيل الأزرق مع النيل الأبيض القادم من البحيرات الاستوائية في مدينة الخرطوم السودانية مكونا نهر النيل الواصل إلينا -بأكثر من ثلاثة أرباع حصتنا من المياه وتجرّف الفيضانات المتكونة من تلك الأمطار الغزيرة التربة الإثيوبية البركانية محملة مياه النيل بالطمي الغني بعناصر خصوبة التربة كسماد طبيعي من نبت الأرض و يستمر هذا الفيضان لثلاثة أشهر أغسطس و سبتمبر و أكتوبر و يحجز السد العالي جنوب مدينة أسوان مياه الفيضان وتتحكم بوابات السد العالي في الخارج منه و بهذا يتم السيطرة على الآثار الكارثية للفيضان .

عبد المصريون القدماء النيل وقدسوه وسمى بالإله حابي أي جالب السعادة لما فيه من مياه تجلب الازدهار فكما قال هيرودوت مصر هبة النيل وهناك أسطورة عروس النيل حينما كان يلقوا في النيل بأجمل فتاة حتى يزداد عطائه ويفيض خيرا، وكانوا غيرنا الآن لا يلقون فيه مخلفاتهم ولا يلوثوه بما كسبت أيديهم كما نفعل، وحكم سيدنا يوسف مصر برؤيته أن هناك سنوات عجاف آتية عليهم الاستعداد لها، فالنيل دائما متذبذب في عطائه من عام لآخر، وله قيمة في النفوس منذ القدم.

في العصر الحديث وقبل بناء السد العالي و خزانيّ أسوان كان حين يفيض النيل يغمر ربوع مصر التي ما تحيى إلا حوله فالمصريون ملاصقين للنهر تلاصق لا فصام فيه كالرضيع المتعلق بأمه، وبعد اكتمال منظومة التحكم في النهر بانتهاء بناء السد العالي لم يعد يعرف المصريين الفيضان في مدنهم بل كان السد هو حائط الصد أمام المياه في مواسم الفيضان لتخزين المياه في بحيرة ناصر لحسن استغلالها طيلة العام، وكي لا ننسى فضل السد العالي علينا ان نذكر ان السنوات العجاف التي ضربت النيل في الثمانينيات من القرن المنصرم أنقذ مصر من الجفاف و المجاعة التي ضربت إثيوبيا و السودان.

كان أول موسم للسد و حجزه للمياه موسم فيضان 1968 /1969 وبعد وصول بحيرة ناصر لسعتها التخزينية كان قد تم الانتهاء من مشروع مفيض توشكى - لا علاقة له بمشروع توشكى الزراعي وان كانوا في نفس المنطقة - فعند وصول المياه لخور توشكى يتم تشغيل القناة لنقل المياه الزائدة تحسبا للفيضان القادم إلى منخفض توشكى وتركها تذهب هدرا دون استفادة وان كانت تحقن وتعزز من قيمة المخزون الجوفي من المياه في حوض الحجر الرملي النوبي وهو ما طرح فكرة استغلال المنطقة زراعياً بأربعة أفرع من بحيرة السد العالي مباشرة لزراعة مئات الآلاف من الأفدنة بمشروع توشكى الشهير و المتعثر للآن.

وفاء النيل يقابله جحود ونكران من المصريين بتلويثه بكافة الملوثات وبعض المصانع ترمي فيه صرفها الصناعي دون معالجة، فعلينا أن نحتفل به بتعميق قيمته وفضله علينا و تذكير أنفسنا بأن نهضة محمد على باشا الزراعية كانت بشق الترع لزيادة الرقعة الزراعية كترعة الإسماعيلية و القناطر الخيرية وان مشروع نهضة و تنمية سيناء متوقف على مد ترعة السلام حتى العريش لتعمير مئات الآلاف من الأفدنة الرملية وتحويلها من صحراء جرداء لا زرع فيها لأراضي زراعية خصبة خضراء وهى متعثرة جنوب بحيرة البردويل، وغيرها من مشاريع كتحويل الري غرب الدلتا - طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي - من ري الآبار إلى مياه النيل، فالنيل لا يبخل علينا في كافة مشاريعنا التي تهدف إلى تقليل وسد الفجوة في إنتاجنا الزراعي، ونحن ننسي ذكراه و نلوثه، فالنيل هو سر حياة مصر و المصريين فنهضتهم لم تقم إلا بالنيل الذي تحل هذه الأيام وفائه لنا.


هناك 10 تعليقات:

  1. اللهم اجعل مصر امناً اماناً وسائر بلاد المسلمين

    ردحذف