الخميس، أغسطس 23، 2012

محمود الروبي يكتب: إهدار الدم وحق التظاهر


ربما أحد أبرز مظاهر الفوضى التي نعيشها في مصر منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى الأن؛ هو الفتاوى الدينية التي لا تعرف سقفاً، ولا تلوذ بميزان شرعي حقيقي يثق به الناس ويقدرونه. وأصبحنا نسبح في بحر هائج متلاطم الأمواج نبحث عن شاطئ النجاة وسط ظلمة الليل الحالك جراء إطلاق تلك الآراء والاجتهادات الفردية المتناقضة، التي لا تخضع لعقل ولا منطق ولا يعي أصحابها خطورة النطق بها في أوقات تحتاج إلى فهم الواقع وحاجة البلاد إلى الأمن والاستقرار.

فتجد على سبيل المثال؛ من يُحرّم الخروج على الحاكم حتى لو كان ظالماً درءا للفتنة، ثم يخرج هو عليه! 
وتجد من يحرم زيارة الآثار القديمة - التي ينظر إليها العالم بأسره على أنها جزء هام من تاريخ البشرية والشاهدة على أن مصر هي أقدم دولة في التاريخ - ويعتبرها أوثاناً يجب التبرؤ منها تغطيتها بالشمع ويفضل إزالتها تماماً.. في حين أن (عمرو بن العاص) فاتح مصر لم يقل بذلك يوماً!

 إلى غير ذلك من الفتاوى التي لا يسع المجال لذكر أكثرها الأن، حيث نمت وترعرعت في ظل سطوع نجم تيارات الإسلام السياسي بعد الثورة، وظهور ما أسميه مجازاً؛ (الفتّايين الجُدد) الذين يخدمون قضايا سياسية معينة لحساب كيانات بعينها تحت ظلال عباءة الدين.

ولعل أهم وأشهر هذه الفتاوى والتي أود التركيز عليها كثيراً في هذا المقال؛ هي فتوى إهدار الدم التي أصبحت موضة هذه الأيام. يستخدمها أولئك الذين يكفرون الناس ويحلًون دماءهم لمجرد الاختلاف معهم. والأخطر أن أصبحت تلك الفتوى الدموية قاب قوسين أو أدنى من أن تكون سلاح الردع القادم للقضاء على المعارضين، وإجهاض حرية الرأي.

فقبل أيام قليلة وفي أحدى الندوات؛ خرج علينا الشيخ (هاشم سالم) أحد أعضاء لجنة الفتوى بالأزهر الشريف؛ ليثير الفتنة والرعب بين طوائف الشعب عندما أطلق فتواه المثيرة للجدل بتحليل دم من سوف يتظاهرون في 24 الرابع والعشرين من أغسطس الحالي؛ فيما يعرف بثورة الغضب الثانية اعتراضا على طريقة الرئيس (محمد مرسي) في إدارة شئون البلاد، وعزمه التخلص من معارضيه لتمكين جماعة الإخوان المسلمين من السيطرة على كافة مؤسسات الدولة.

والغريب في فتواه أنه وصف من ينوون الخروج للتظاهر بالخوارج على الشرعية والديمقراطية ويجب قتالهم وقتلهم إن لزم الأمر. ولعله نسى أو تناسى مبادئ وأهداف ثورة يناير؛ والتي كان من بينها حق التظاهر السلمي مكفول للجميع، وألا أحد فوق النقد حتى لو كان رئيس الدولة. وأعتقد أن الإخوان كانوا هم أول من ناهض النظام الديكتاتوري السابق، ورفعوا لواء تلك الشعارات التي تنادي بالديمقراطية وحرية الرأي، وكان الكل يتضامن معهم. فهل يسحبون هذا الحق من معارضيهم الأن؟!

والخطير أيضاً أن مولانا الأزهري (الشيخ هاشم) قد أخذته الجلاله وأطلق العنان لرأيه القاتل ربما عمداً أو سهواً – وهنا لا مجال للسهو – وجعل الفتوى عامه على كافة أشكال التظاهر؛ فلم يخصص فئة بعينها لتشملها الفتوى؛ كأن يشير مثلاً إلى فئة المخربين فقط الذين قد يندسّون بين المتظاهرين السلميين. وحتى إن كان فعل؛ فهو في كل الحالات إفتئات على مبدأ سيادة القانون المشتق من الشريعة الإسلامية، وضرب فكرة دولة المؤسسات التي قامت الثورة من أجلها!

لذا نحن بحاجة ماسه إلى سن قوانين وتشريعات حازمة وحاسمة لوقف نزيف الفتاوى غير المسئولة، وكبح جماح الشيوخ عامة - ممن يرتدون عمامة الأزهر، أو من يرتدون أى عمامة أخرى – لحماية الناس من أخطاءهم التي قد تدمر شعب. 

كما ينبغي في رأي المتواضع قصر الفتوى فقط على الأزهر الشريف خاصة في المسائل الفقهية الجماهيرية الكبيرة التي ترتبط بمصير الأمة والتي تحتاج إلى إجماع. كما يجب أن تطلق بإسم مفتي الجمهورية وعلى لسانه وتحت مسئوليته المباشره كي لا تثار البلبلة أو يحدث أي التباس.
 وأتصور أن فتوى إهدار الدم المثارة هذه الأيام والتي أحدثت جدلاً واسعاً داخل أروقة المجتمع، تلك المهزلة الغريبة الخالية من المنطق أو الوسطية التي يعرفها الإسلام الحنيف وينادي بها؛ إن لم يتم مواجهتها سريعاً ومحاسبة من أطلقها؛ ستصبح بمثابة دعوة إلى حرب أهلية طاحنة تسيل فيها حمامات دم يغرق فيها الآلاف كالتي حدثت في الجزائر أو لبنان. وساعتها لن ينفع الندم! 



هناك 4 تعليقات: