الثلاثاء، أغسطس 21، 2012

عبد الله صابر يكتب: أوهام الخطاب الثوري.


           مرت بالوطن أحداث جسام طيلة فترة إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للبلاد ، فبعد نجاح ثورة يناير في الإطاحة بنظام الحكم السابق وخلال فترة إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمرحلة الانتقالية وهى إدارة أصابها الفشل الذريع والقصور من كل جانب فغلب الأداء التكتيكي وغياب الرؤية الإستراتيجية للإدارة ، وخلال فترة إدارته ظهرت دعوات إلى ثورات للغضب ثانية وثالثة و منعطفات دموية جسام من جمعة 8 ابريل إلى ثورة الغضب الثانية 27 مايو وسميت أيضا جمعة الوقيعة و ثورة الغضب الثالثة 9 سبتمبر و البالون و ماسبيرو و العباسية الأولي و محمد محمود و مجلس الوزراء و العباسية الثانية وغيرها فلا يكاد يمر يوم سوى أن نسمع إلى دعوات للاحتشاد بمليونية لتحقيق المطالب وغالباً ما يصاحبها شد وجذب يئول لإراقة الدماء ، حتى كانت كل دعوة إلى مليونية يحبس المواطنين البسطاء أنفاسهم ترقبا لما ستسفر عنه.ه

الدعوات إلى المليونيات و الاعتصام المستمر و قطع شريان حيوي يربط شرق النيل بغربه و غلق مجمع خدمي للمصالح الحكومية بالتحرير و غيرها ما أصاب ولا أضر إلا المواطن البسيط الذي يريد قضاء احتياجاته ، فالتيارات الثورية ترى في الثورة عمل مستمر و العنتريات و التشدد و التصلب في المواقف هو المنطق و المنطلق لأي فعل لها سبّبه لها انفتاح الإعلام عليها و نفاقه لها دون حدود حتى ينجو من تهمة الفلول وإدراجهم في قوائم سوداء معادية للثورة والتهديد بقطع شأفتهم جعلت لميس الحديدي - احد منسقي حملة مبارك الانتخابية - يوما توجه سؤال لأسامة سرايا - رئيس تحرير الأهرام الأسبق - بأنه فلول فكان رده عليها بأنها أم الفلول إن كان هو فلول ، فالتثوير المستمر ما أصاب إلا أصحابه من انفضاض الناس من حولهم وتركهم وحدهم لأنهم تشرذموا وتفتتوا إلى ائتلافات عدة وشوهت الثورة بأيدي مدعي الثورية فكانوا كالدبة التي قتلت صاحبها حين كان هدفها قتل الذبابة التي على رأسه لا قتله ، ففقدت الدعوات للمليونيات زخمها و قوتها بعد أن استهلكت و انطفئ بريقها وبهت زخمها بالاستسهال الثوري للدعوات المليونية فأصبحت شيء معادي ومعتاد لا يحمل جديد بل تحولت في نظر البعد إلى مظاهرة و اعتصام فئوي.ه

نتيجته أن كانت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين مرشحين اثنين أقل ما يوصفا بأنهم هم نفس القوى التي كانت تتطاحن فيما مضى معركة بين مرشح الحزب الوطني الديمقراطي المنحل و بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين المنحلة أيضا فكان السباق الرئاسي بين قوى منحل و منحلة و محظورة و ممنوعة قانوناً صحيح أن تبدلت الموازيين وصارت جماعة الإخوان جماعة محظوظة لسياستها البرجماتية و بُعدها عن أوهام تعشش في خيالات البعض انه القائد الفعلي للثورة وانه ظل الله على الأرض يأمر فيطاع ، يحب أن يشار إليه بالبنان و طنينهم المستمر بالثورية على الطنيطر - كما وصفه الزند -  فكأننا قوم جلوس حولهم ماء.ه

هل يتمعن أحد في بروز الفريق شفيق و إدارته لمعركة شرسة شاهدنا جميعاً منافسته مرشح جماعة الإخوان الذي يقف خلفه كافة قوى الإسلام السياسي وهى قوى متصارعة فيما بينها إلى حد اتهام بعضها البعض بالتفريط في الدين و الكفر و العياذ بالله وبعض الائتلافات الثورية ، شفيق هو ممثل لنظام قامت عليه ثورة وظللنا طيلة العام المنصرم لا نشاهد ولا نسمع سوى عن فساده هو و نظام الحكم السابق ونهبهم لأموال الشعب و نشرهم للأمراض بين المصريين وشهادات الكثير على كيفية محاربتهم الفساد وتصديهم لهم وحدهم ، ولكن كل هذه الاتهامات لم تشفع عند ساعة الامتحان وجدناه سراباً لم يؤثر على المواطن البسيط  في شيء بل كان خطاب القوى الثورية هو الخطاب المنفر لديه مرشح يجاهر بأن للأسف الثورة نجحت ويتباهي بأنه سيسحق التحرير و ما العباسية إلا بروفة وان الأمن سيعود خلال 24 ساعة فقط آلا يشير هذا الي أن كل ما بنته قوى الثورة خلال العام والنصف الماضي كان صرحاً من خيال فهوى، صروح لا أساس لها ولا جذور ضخّمها و نافقها الإعلام الفاسد في جعجعة الفضائيات التي لم تنشئ إلا فصام و انفصال و بعد عن واقع المصريين البسطاء الذين هم هدف و مطمع الكل.ه

قوى الإسلام السياسي واخص هنا الإخوان مارسوا سياسية برجماتية لتحقيق أهدافهم ، و السلفيين كانوا اشد واضحا و نقاء في أهدافهم دون تجميل و بهرجة، و القوى المدنية مارست خطاب نخبوي و انجرفت إلى صراعات وهمية لا وقتها و لا حتى المجتمع مهيأ بعد لسماعها ليلتف حولها فكانت المطالبة بحذف المادة الثانية من الدستور و التهكم على ملابس بعض المصريين و طريقهم الذي اختاروه بإرادتهم الحرة، معارك استنزفت فيها القوى المدنية سريعا و احترقت وقتيا فما هي حكمة إلغاء المادة الثانية وهي نفس المادة في ظل حكم النظام السابق و كذلك في كافة الدساتير المصرية من دستور 23 فالإسلام دين الدولة، معارك تعادي التدين و التصوف الفطري للمصريين في الحياة ارتدت بعد هذه المعركة الخاسرة أن أعلن الكل انه مع المادة الثانية بل إن كل الأحزاب صارت مرجعيتها إسلامية، ومارست القوى المدنية و مازالت تمارس نفس خطاب الفشل دون مراجعة فأين هي من الشارع الذي هو المحرك الرئيسي و وقود كافة السياسيين، أين هي من الاستعداد لانتخابات مجلس الشعب القادمة بعد شهور بسيطة وحين ستفشل ستصرخ بأعلى صوت أن اللعب لم يكن نظيف و هناك أهداف من حالات تسلل واضحة و تستعطف وهم المجلس العسكري بصفته الأخ الكبير ليأتي لها وحدها فيما تعتقد انه حقها المسلوب و تستعدي الجميع في أوهام الدولة العميقة و الواقع يقول أن الدولة العميقة هي دولة منذ عام 1928.ه

الديمقراطية ليست هي صناديق الاقتراع وكفى فهي ممارسة و تطبيق فكلنا يسمع و يري عمليات تفتيت الأحزاب بعد انتخاباتها الداخلية وما بها من صراعات للفوز في كعكة المناصب الحزبية الضيقة و مطالبة البعض بمحاكمة أركان النظام السابق بمحاكم ثورية لتنتهي بحكم من أول جلسة بقطع رقابهم في التحرير فلماذا المحاكمة إذا و الحكم جاهز دون ركن الدفاع الجوهري في أي محاكمة إنها فاشية و تسلط تسري في العروق، ولا أدل على الدعوة إلى مظاهرات 24 أغسطس القادمة - لست مع هذه الدعوة و لا غيرها وان كنت احترم حريتهم فيما ذهبوا إليه - إلا انقلابا على الديمقراطية التي تحبو وتحتاج إلى التشجيع نعم فالديمقراطية هي أن نحترم الصناديق ورأي المصوتين مهما كانت وأن نعترف بالفشل و نستعد للجولة القادمة بعد أن نقيّم الأخطاء ونتجنبها، وهى دعوة لن تجد لها صدى واسع بين المواطنين الذين ما رأوا خلال فترة إدارة العسكر للبلاد سوى انفلات في كل شيء من قطع طرق و أزمات غاز و بنزين و غيره ، أما الركون و السكون و اصطناع البطولات الزائفة في السب و القذف و التقريح فهي شأن الصغار الهواة و انتظار دعم جهات داخلية أو حتى خارجية بأساليب غير ديمقراطية فهي ازدواجية فجة فالإسلاميين أينما كانت مصلحتهم توجهت بوصلتهم إليها، خطابهم يدل على ذلك فالسياسة هي فن الممكن فلا خصم ثابت إنما المصلحة هي المحرك والاتجاه المنشود ، الإخوان عكس القوى الأخرى التي ركنت إلى خصمها اللدود المجلس العسكري وانجرفت في مواجهة فاشلة و خاسرة معه معارك دون كيشوت و طواحين الهواء فما من معركة دخلتها القوى الثورية إلا وكانت وبالا ولم تنجح في معركة واحدة قط وبعد أن كان المجلس العسكري أمس هو العدو الذي يدمر أهداف الثورة اليوم تنعيه وتستعديه على الإخوان وهو لن يتحرك حتى وان لعقوا بيادتهم ، الآن نقول أن هذه القوى تحركت بغباء ومهدت الطريق للإخوان بالورود فحسن نية القوى الثورية وبراءتها كان مكمن الضعف فالطريق إلى جهنم مفروش دوماً بالنوايا الحسنة ، واليوم هل شعارات لا دستور تحت حكم العسكر أو الدستور أولاً وكافة الشعارات الخرقاء هل لها صدى ؟ بل صرنا بدستور تحت حكم المرشد إنهم كانوا السبب في سيطرة الإخوان الذين تركوا القوى الثورية تستنفذ قواها في معركة الوهم مع مجلس الخيبة والندامة، فبماذا تستعد الآن للمعركة فبعد شهور قليلة ستأتي انتخابات مجلس الشعب فهل استعدت لها القوى المدنية وتعلمت الدرس أم ستصرخ كعادتها منتظرة المساعدة ممن لا طاقة له، الانتخابات القادمة معركة الفرصة الأخيرة وقبلة الحياة للقوى المدنية وإلا ستكون كما كانت سابقاً معارضة مستأنسة لزوم الديكور والعرس الديمقراطي.ه



هناك تعليق واحد: