الاثنين، أغسطس 20، 2012

مايكل وحيد حنا يكتب: إحتكار القوة في مصر.

  بقلم:مايكل وحيد حنا  ترجمة:محمد عاطف.ه


تميزت الأنتفاضة المصرية ذات القدر المشئوم لعام 2011 بالفرص الضائعة والأمكانيات المهدرة. وكتذكير بالماضي القريب نجد تلك القصة الحزينة التي قدمها المشاركون في التظاهرات التي أسقطت نظام حسني مبارك مخلوطة دائما بالندم على سلسلة الأخطاء التي كان من الممكن تفاديها والتي أضعفت من زخم التغيير الأصيل. رغم ذلك نجد أن المرسوم الدستوري الأحادي الجانب الذي أصدره الرئيس محمد مرسي قد حصر تقريبا كل القوى والسلطات الحكومية في المكاتب التنفيذية، لذا يتضح أن الدرس المستفاد من ذاك الماضي القريب قد فشل في اختراق الوعي الجمعي للمشتغلين بالسياسة.

توازي السلطةأحادية الجانب التي ينفرد بها مرسي الخطيئة الأصلية في انتقال القوة الفوضوي والعاصف الذي حدث في مصر بعد الثورة: والاغتصاب المعلن ذاتيا لمجمل السلطات السياسية من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة عقب استفتاء مارس 2011. والأن وكما في السابق ركن أغلب قادة مصر السياسيين الى السكون بسبب الهالة الثورية التي تحيط بالرئيس مرسي بعد التسريح الصدامي لأقدم قادة العسكر وزعمة للسيادة المدنية. والأن وكما في السابق أيضا يطلب من المواطنين والقادة سواء أن يضعوا ثقتهم في قوى سياسية غير خاضعة للمراقبة. والأن وكما في السابق تستخدم الأفعال الإيجابية في ساحة واحدة لتبرير التعاملات الذاتية والحكم بالمراسيم.

بعد ثمانية عشر شهرا من الانتفاضة على القائد المستبد كلي السلطة مبارك، أفرز الانتقال الى نظام سياسي ديموقراطي رئيسا ذو قوى تنفيذية وتشريعية بالإضافة الى سلطة الأشراف الشاملة على صياغة دستور البلاد. مما يعني أن على الورق يملك الرئيس قوة ديكتاتورية.

إن قلة القلق والغضب في هذه الحالة يعد صادما في ضوء توجه مصر -ما بعد مبارك -الى انتقالات تتضمن الكثير من التشابهات بين ظروف مصر الحالية وبين الاحتكار المشئوم للقوى السياسية من قبل المجلس العسكري في بداية سقوط نظام مبارك.
كما يحدث الأن تم إسكات الضجة التي عقبت الاستيلاء على السلطة: فقد كان العسكر المصري لا يزال يعتبر ذو شرعية ثورية في بداية سقوط نظام مبارك بسبب رفضه لتوجيه أسلحته الى المتظاهرين. وكان المواطنين والقادة السياسيين على حد السواء مستعدين لمنح القادة الجدد مزية الشك. بينما تم تجنب بعض البدائل الأخرى، فالترتيبات السياسية الانتقالية كانت مبررة وفقا للحاجة، وكانت أيضا مفهومة ومؤقتة.

أعلن اللواء ممدوح شاهين المصمم القانوني للمجلس العسكري عن سلطة المجلس العسكري بعيدة المدى في 30 مارس 2011 بعد تأجيل غير مفسر عقب الاستفتاء العام يوم 13 مارس. أعلن اللواء ممدوح شاهين في مؤتمر صحفي عن الإعلان الدستوري لحكم مصر في المرحلة الانتقالية. فأعاد تأكيد هذا الإعلان الرفض العام لنموذج الدستور أولا في العملية الانتقالية، ولكن تلك الوثيقة الموسعة كانت مختلفة تماما عن مجموعة التعديلات المحدودة التي وضعت تحت رحمة الاستفتاء القومي. وكمعارضة لاشتقاق الشرعية من الانتداب الشعبي كان أطار العمل الذي يحكم الانتقال جزئا من حكم العسكر بشكل أساسي.

وعلى الرغم من عدم وجود انتداب شعبي حقيقي مستند على الاستفتاء العام، فقد أسس الإعلان الدستوري تحكما كاملا للمجلس العسكري في المرحلة الانتقالية وعطل بكل نجاح أي تحرك قريب للإصلاح.

وقد أتاح رضوخ السياسيين حدوث هذا الأمر بما فيهم الإخوان المسلمين أكثر الأحزاب السياسية تنظيما وفاعلية. وبالنسبة للإخوان المسلمين كانت خطط المجلس العسكري الانتقالية هي التي ستعجل بالانتخابات، مما سيضاعف من الفوائد المنظمة العائدة عليهم. وكان ثمن هذه الصفقة هو قبول المناورات الفوق سياسية التي قدست سيطرة المجلس العسكري على العملية السياسية بالإضافة الى شرعية تلك السيطرة القانونية والدستورية.

وبالمثل أستثمر الرئيس مرسي مواقفه الثورية بالإضافة الى شرعيته الديموقراطية التي أكتسبها بنصره الانتخابي، الذي أدى الى قوة سياسية شبه مطلقة، مع وجود أقل القليل من مصادر التوازن في النظام القانوني والسياسي، وكما حدث مع المجلس العسكري يدافع الرئيس ومسانديه عن أفعالة بالرغم من أنها مؤقتة ووصولية وعاجزة طبقا للشرعية الثورية.

كمسألة مبدأ ديموقراطي يعد تركيز القوى السياسية المتمثل في مرسوم الرئيس مرسي الدستوري أمر مكروه كليا. وهذا لأن هذا المرسوم ظهر في وسط المرحلة الانتقالية التي ستحدد الأبعاد والأساسيات للنظامين السياسي والدستوري الجديدين. وكنتيجة للسلطة الممنوحة ذاتيا التي ستعين جمعية تأسيسية جديدة في حالة فشل الكيان الحالي في إفراز مسودة دستورية للتصديق عليها، سيملك الرئيس مرسي سلطة قسرية واسعة للتأثير على المسودة الدستورية. وعلى ضوء الدور الحاسم لزملائه من الإخوان المسلمين وحلفاء إسلاميين أخرين في الجمعية التأسيسية، سيتم تقويض عمل الجمعية الحالية بشكل متعمد على أمل تكوين جمعية جديدة أكثر طاعة ينتقي أعضائها الرئيس نفسه. بينما ستقلل القيود السياسية من فاعلية هذه التهديدات، إلا أنها ستأثر على مسارات النقاش والحديث داخل الجمعية. علاوة على ذلك فإن منهج الإخوان المسلمين المستبد في الفترة الانتقالية وطريقة استخدامهم للقوى السياسية سوف يعطل أولئك المخدوعين بتأكيدات الإدراج في المجتمع السياسي العريض عن التحرك.
يتميز سجل أعمال الإخوان بالوعود الكاذبة والصمت في وجه انتهاكات المجلس العسكري، مثل المحاكمات العسكرية للمدنيين وتفعيل قانون الطوارئ خلال أكثر مدة خدمتهم. زاد على ذلك إرادة الإخوان بالتتابع مع المجلس العسكري تلويث شكل كل من ينتوي الاستمرار في الحركة الاحتجاجية من خلال التعبئة الجماعية والأعمال العامة.
تميز الأخوان أثناء فترة خدمتهم في البرلمان بإستقلالية سياستهم وعدم الإرتكان الى الأستشارة والجهود المستمرة للسيطرة على كل مظاهر العملية السياسية. بينما يمنحوا تصديقات خطابية على الأفكار الشاملة والجمعية، كذبت محاولاتهم لفرض المسودة الدستورية تلك التأكيدات المزعومة.
أستطاع الإخوان تغريب الفئة السياسية المصرية كلها تقريبا عن طريق التفخيم المؤسسي الذي يستخدمونه بشدة. وبالاعتبار بهذا التاريخ الحديث من غير المنطقي منحهم ثقة غير محدودة، فتلك الثقة ستكون في غير موضعها حتى لو منحت لأكثر فلاسفة الملك حكمة.

يجب الحكم على أعمال الرئيس مرسي كل على حدة. فطرده للمشير طنطاوي ورئيس الأركان السابق اللواء سامي عنان كان تصحيحا واجبا لتدخل العسكر في امتيازات الحكم المدني، وتصرف يفيد الرقابة على الطموح السياسي المتزايد لقيادات الجيش المصري. فقد تجاوزت طموحات قادة العسكر أثناء المرحلة الانتقالية العناصر الأساسية للخروج الآمن لتتضمن دور وصائي محصن دستوريا مما يتيح للكيان العسكري موضعا يعلو على الفحص والتدقيق ويتيح لهم التدخل في العملية السياسية. وبينما يعد الخروج الآمن حتميا يظل العسكر متمتعون بإمتيازات شاملة وبقوة سياسية كبيرة، فالخطط العسكرية المتطرفة تم رفضها غيابيا عن طريق تدخل من داخل العسكر أنفسهم كانقلاب على سبيل المثال. لذا يعد هذا التسريح من التطورات المفيدة والضرورية للمؤسسة الديموقراطية ككل وللنظام السياسي ذو السلطة المدنية.

ولكن لا يجب أن تعمل هذة الأنجازات المفاجئة على تغطية تكرار أحتكار السلطة الذي شوه الحياة السياسية المصرية المعاصرة. وحتى إغفال الطبيعة الفوق قانونية لأفعال الرئيس مرسي على أساس أنها الطريقة الوحيدة لمواجهة أطار العمل الفوق قانوني أيضا الذي أستخدمه المجلس العسكري لا يعد تبريرا لإنشاء نظام موازي من السلطة الغير خاضعة للرقابة. ففي حالة العمل بالمراسيم تصبح القيود القانونية الموجودة على إطارات العمل غير ملزمة. فالمرسوم الدستوري في حد ذاته يمكن أن يتضمن عمليات مراقبة ورصد للسلطة التنفيذية. وقد تعقدت هذه العملية في غياب البرلمان بعد أن فككه المجلس العسكري بناء على حكم المحكمة الدستورية العليا، ولكن هنالك بدائل تخيلية في حالة وجود إهتمام بالتوازن السياسي. كمثال على هذة البدائل يمكن إلباس السلطة التشريعية المؤقتة في الجمعية التأسيسية العاملة حاليا. وكبديل أخر يمكن إنشاء مجلس واسع القاعدة مكون من ممثلين متنوعين للتيارات السياسية والذين يكون تصديقهم حتمي للتشريع قبل النشر. وبإمكان الرئيس أيضا إصدار مرسوم انتقالي يرفع من الحقوق الفردية لتخفيف حدة القلق من أن هذة الحكومة ستدعم قوتها عن طريق إسكات النقد وتكميم حرية التعبير. ليس أي من هذه الخيارات مثالي، ولكنها على الأقل تمثل تغيرا نوعيا يبعدنا عن شبح السلطة الديكتاتورية.

وتعتبر المحكمة الدستورية العليا من موقعها الحالي مجرد وسيلة مراقبة مؤسساتية على الترتيبات الإنتقالية. فتسييس المحكمة بالإضافة الى واقع القوى السياسية المحيطة يعيق من قدرتها على المراقبة الدقيقة. ولأن موقف العسكر يتردد بين الاستسلام والعمل ضد قياداتهم فإن أي تدخل من قبل المحكمة يمكن أن ينتج عنه حكم غير قابل للتنفيذ مما سيقلل من مصداقيتها أكثر ويجعلها عرضة للأعمال الأنتقامية في شكل حملة تطهير كبيرة. فمثل هذة الأعمال يمكن أن تنهي قدرة المحكمة على العمل ككيان مستقل نهائيا.


سيبدو الوضع في غاية الشذوذ إذا أدت الآمال والتطلعات التي أفرزتها الثورة المصرية الى استبدال ديكتاتور بأخر. وعلى الرغم من أن الرئيس مرسي لم يسئ إستخدام سلطاته الموسعة حتى الآن إلا أنه يجب ان لا يمنح الفرصة من الأساس. فالتيارات السياسية يجب أن تجتمع على حماية مبادئ الديمقراطية، وأن تمارس ضغطا منسقا لكي تقوّم أطار العمل الانتقالي أحادي الطرف. وفي حالة غياب تلك الجهود ستبدأ على الأرجح قصة جديدة من الندم والفرص الضائعة لتتميز بها المرحلة الحالية من الإنتقالية في مصر.

يمكن الإطلاع على المقال الأصلي على هذا الرابط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق