الجمعة، يوليو 13، 2012

أحمد الهيتي يكتب الحالة النفسية للثورة


بقدر مايجتهد المحللون وتتبارى أقلام الساسة وأصحاب الرأى في الحديث عن الثورة سلباً أو إيجاباً, بقدر ما يتجاهلون تعمداً أو جهلاً تجربتها النفسية.

فالملاحظ أن الجميع يتكلم عن الثورة سواءاً بصورة تحليلية أو تنفيذية من واقع أنها أفعال وردود أفعال من قوى سياسية فاعلة وعاملة على الأرض, أو حركات ثورية بإمتياز, وشبابية بيقين إلا أن أحداً لم يحاول أن يسبر أغوار الدوافع النفسية لكل فعل أو رد فعل سواء من فصيل سياسي متمرس أو حركة شبابية ثورية ناشئة.

أى أن الجميع يرى الثورة (بعيون صينية) في صورتها المادية البحتة .. أفعال وردود أفعال, مكتسبات وخسائر.

فقلما يتكلم متكلم أو يفصل محلل الثورة كحالة نفسية شعورية في الأصل تبلورت في صورة احتجاج مكتوم في الضمائر غلى كالجمر تحت التراب تبعه انفجار شعوري شعبي رافض وقاهر.

لم يتعرض أحد بصورة كافية للإرهاصات الأولى للثورة أو لجذورها العميقة التي روتها مياه التعذيب والقهر ولفتها ظلمات السجون والمعتقلات.

يسهب المحللون في الحديث عن تطور الفعل الاحتجاجي كحقيقة (مادية) واقعة على أرض القهر السياسي في مصر منذ العام 2006 مع نشوء حركات احتجاجية مثل حركة كفاية وغيرها, مما جعل التحليل النفسي للثورة المصرية مصطلحاً غائبا عن مفردات النقاش الثوري العام وبالتالي عن العقل الباطن للرأى الشعبي فضلاً عن الثوري.

لكن ذلك يستوجب منا أن نواجه أنفسنا بسؤال بقدر ما يبدو صادماً بقدر ما هو ملح ... هل كل المصريين ثوريين؟

هل فرحوا بالثورة وشاركوا فيها وزرعوها تضحية, وينتظرون أن يجنوها آمالا تُبني وأحلاما تتحقق؟

الإجابة ببساطة ... غير مؤكدة
قامت الثورة في مصر ... أقرت نفسها واقعاً حياً في الشوارع والميادين فضلا عن الساحة السياسية الكنود في مصر ,لكن ليس هناك أى دليل على أنها قامت صرحا في كل النفوس أو حقيقة في كل الضمائر.

فمن المصريين من يرى الثورة كالأمل المنقذ ومنهم من يتعامل معها كنازلة النوازل ألمت بالبلاد فأهلكت الحرث والنسل, فقبل أن تسأل لماذا ولم؟ وقبل أن يدفعك الفضول لسؤال أحدهم عن موقفه من الأحداث الجارية, فحرى بك أن تعلم أولاً حاله مع الثورة ... أهى في ضميره وفي فمه ... أم هى على الإطلاق خارج نطاق الفكر والزمن عنده؟

يقودنا ذلك بصورة أو بأخرى إلى الحديث عن وجه خفي من نفسية الثورة, قد يجوز لي أن اسميه (الحقد العمري للثورة) ويشمل ذلك المصطلح الرث اللفظ والمدلول قطاعاً عريضاً من المصريين الذين يكرهون الثورة ... ينظرون إليها كمن لا يراها ... يتكلمون عنها لكن لا يعترفون بها.

وأقصد بهؤلاء شريحة من المصريين ذوي الأعمار المتقدمة الذين جُبلوا على كراهية التغيير, وتقديس الواقع بسبب ما عانوه من تزييف وبرمجة العقول في بوتقة التهميش الذي مورس على المصريين منذ بدايات انقلاب يوليو52 , والذي قتل لديهم طموح التغيير وزرع في أنفسهم رذيلة الاستكانة وطاعة أولى الأمر حتى وإن كفروا.

فهؤلاء ينظرون إلى الثورة شذراً على أنها كائن غريب الملامح غريب النشأة ... طرح أمامهم واقعاً مريراً بل ومهيناً, ومُديناً لهم ولخنوعهم وتخاذلهم الذي فرض عليهم أن يسيروا بجوار الحيطة إيثاراً للسلامة, فوجدوا أنفسهم مع الوقت يسيرون داخلها, فصارت القبور التي وأدت حريتهم وأطلقت عنان جلاديهم.

هؤلاء يرون في الثورة - بل وفي الثوار بالأخص - دليلاً حياً على إدانة المجتمع بل والتاريخ لهم بالفشل الذي زيفوا حقيقته ودعوه (صبراً) ففوجئوا به فشلاً يدينهم بل وينسب إليهم ما آلت إليه البلاد من تأخر على مستوى الحريات السياسية فضلاً عن مستوى المعايش.

يستوي معهم في ذلك بعض من يلبسون مسوح النخب بل وفقهاء السياسة الذين تلونوا ولبسوا دروع الثوار المحاربين عندما استشعروا نجاح الثورة, فأعلنوا توقهم واشتياقهم إليها كمن يشتاق إلى محبوبة بعيدة المنال.

وهكذا يبدو جليا أن الثورة بقدر ما هي حركة وتغيير وتضحيات ودماء وكر وفر, بقدر ما هي تجربة نفسية وحالة شعورية تؤججها دوافع وتحركها أحاسيس وانفعالات, وأن مصير مصر الآن ليس بيد قوى ثورية بقدر ماهو صراع بين نفوس تؤمن بالثورة وأخرى تتنكر لها وتتحين الفرصة لقتلها فضلا عن وأدها حية فى نفوس مريديها.
k

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق