الاثنين، يوليو 09، 2012

محمد غالية يكتب : المنحة ياريس


المنحة ياريس

لازلت أتذكر هذا المشهد، الرئيس المخلوع في خطاب عيد العمال الشهير، فيقف أحد الحاضرين ليهتف بعلو الصوت (المنحة ياريس) فيظل الرئيس يعرض كيف أنه قد عانى الكثير لإقناع رئيس الوزراء ووزير المالية بزيادة المنحة هذا العام، ورويداً رويداً لم يعد لتلك المنحة أى قيمة تذكر نتيجة للزيادة الهائلة في الأسعار، فجأة تحولت تلك المنحة لتكون أحد الأسباب الرئيسية لخلع هذا الرئيس, الذي رفض حداً أدنى للمرتبات بقيمة أربعمائة جنية والذي كان دوماً ما يمن على هذا الشعب بذلك الفتات المسمى بالمنحة وهو في حقيقة الأمر كان محنة ..

رحل مبارك وأتى الرئيس محمد مرسى – أول رئيس منتخب بإرادة شعبية – وبقى المطلب مطروحا، المنحة ياريس، فكان أول قرارات الرئيس الجديد التأكيد على تلك المنحة، والآن نحن لم نعد نريد المنحة فقط، فلقد كان للثورة بلا شك دوافع أخرى عيش حرية عدالة إجتماعية، وكرد فعل طبيعي زادت أحلام المصريين وطموحاتهم وأصبح الهم الشاغل بجانب المأكل هو أن يشعروا بكرامتهم في هذا الوطن وأن يشعروا بحريتهم وأن يشعروا بكون الرئيس يشعر بكل أزماتهم؛ لأن هذه المرة لن يجدي فيها الفتات الذى يلقيه الرؤساء على الشعب ..

إن الخيار الوحيد للأمة المصرية الآن هو التقدّم الإقتصادي والنهوض بالمستوى الإقتصادي للدولة، وهو مطلب – في رأيي - أهم من أى مطلب آخر على الساحة، لأن الحل الإقتصادي هو المفتاح السحري لكافة الأزمات التي تحيق بالمجتمع  والخلل الإقتصادي فى المجتمع هو مايؤدي إلى ظهور الجريمة

دعنا إذاً نسوق بعض الأمثلة :-

السرقة:
رد فعل طبيعي حينما يشبع الانسان ويجد كفايته من المأكل والمشرب والملبس أن يزهد فيما عند الناس، وأن يتحول السارق في تلك الحالة إلى مجرم يستحق العقاب، ولقد فرض الله عز وجل حد السرقة للردع ولكن الحدود تدرأ بالشبهات، فإذا ماقامت حول جريمة السرقة شبهات تجعل العقاب لا يحقق هذه المصالح وجب وقفه وامتنعت اقامته،

فعن ابن حاطب أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر - رضي الله عنه - فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مُزيَنة، وأقروا على أنفسهم، فقال عمر- رضي الله عنه-: يا كثير بن الصَّلت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولي بهم ردهم عمر - رضي الله عنه - ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم -حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له - لقطعت أيديهم، وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة تُوجعكَ، ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة، قال عمر –رضي الله عنه-: اذهب فأعطه ثمانمائة[1].

فهنا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل, هو أن قيام ظروف تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود, عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "اِدْرَءوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِمُسْلِمٍ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ بِالْعُقُوبَةِ"[2]

فعندما تفتح أبواب العمل وتضبط مصادر الكسب ونصير في أمة تعرف نور الحياة والعلم تستثمر أموالها فيما يفيد ويجدي وليس في التفاهات والإعتماد على الآخر في الاستيراد عندئذ تقل الجريمة وعند إذ يجوز أن نعاقب السارق بتقطيع يديه ورجليه لأنه يسعى في الأرض فساداً ..


جريمة الزنا :

الشهوة الجنسية غريزة فطرية فطر عليها البشر وإن كان البعض أعطاه الله الصبر عليها والقوة على أن يتحكم في تلك الشهوة فليس الكل مطالب بهذا بل أن الدولة مطالبة بتوفير مايسد الحاجات وتوفير الكفايات الأولى لتلك العملية في الحلال، لا أن يتصرف الشباب من تلقاء أنفسهم فيظل الشاب تقطف سنوات عمره وتتساقط أوراقه ورقة بعد ورقة ولايزال في طور تكوين نفسه للإستعداد للزواج وإذا ما تزوج دخل في مطحنة أخرى من أجل كفالة الرزق لزوجته وبعد ذلك أولاده، فأى حياة تلك التي تبدأ بشقاء وتنتهى بشقاء؟؟!!

فإتاحة الزواج للشباب مهمة لاتقل قيمة عن توفير القوت وكفاف اليد عن السرقة والحاجة، فاذا كفلت الدولة مصدر رزق يتيح للإنسان العفاف فقد تم القضاء على نسبة كبيرة من الزنا والتحرش والمعاكسات وتلك البلاوي الأخلاقية التي أبتلينا بها وإذا تم السيطرة على ترف المترفين تم حل الجزء الثاني من المشكلة وساعتها نطالب بتقديم الحد بالجلد والرجم حتى الموت ...


لقد قامت تلك الثورة من أجل أن نشعر بآدميتنا ولن نسمح لأحد أن ينتهكها مرة أخرى أو أن يتحرش بها, لقد أصبحت كرامتنا خطاً أحمر والمنحة أيضا خطاً أحمر

..المنحة ياريس..


[1] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (18799)، وفي الموطأ (1321
[2] عبد الرزاق في مصنفه (18977), والبيهقي في سننه (17064).
B˲ WW

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق