الثلاثاء، يوليو 03، 2012

محمود الروبي يكتب : قراءة في خطاب الرئيس



قلائل هم من يجيدون إستخدام اللغة لفظية كانت أم جسدية بفاعلية في التعبير عما بداخلهم من مشاعر وأفكار، أو لتوصيل رسائل معينة إلى من يشاهدونهم ويستمعون إليهم، سواء كانوا أفراد أو جماعات. وأحياناً كثيرة ما تكون الإيماءات والإشارات وحركات الجسد عفوية كانت أو مقصودة؛ أعمق وأبلغ من الكلام في المغزى والدلالة والتأثير.

وهنا سينصب حديثي بالطبع على ما جاء بأول خطاب شعبي جماهيري لأول رئيس مصري مدني منتخب من شعبه بإرادة حرة عبر صناديق إقتراع نزيهة في أول إنتخابات رئاسية سليمة جرت في تاريخ مصر بأكمله، ولم يعد هناك مجالاً للمزايدة على ذلك بعد ما أقر به القاصي والداني بل أشاد به العدو قبل الصديق داخل مصر وخارجها.

أعود إلى خطاب الدكتور محمد مرسي مسترجعاً إياه من ذاكرتي للوقوف علي قليل مما تضمنه من رموز ومعاني ودلالات سياسية هامة، في محاولة هادئة لتفسيرها وتبيان مدى إرتباطها بالوضع السياسي المصري الدقيق والمضطرب في المرحلة الراهنة والمؤثرة بكل تأكيد في المرحلة المقبلة.

ففي أثناء متابعتي – ككل المصريين – للكلمة التي ألقاها مرسي في ميدان التحرير وقبل ساعات من ذهابه إلى أروقة المحكمة الدستورية العليا لحلف اليمين أمامها؛ أدركت أنني بصدد حالة شديدة الرمزية من حيث إختيار المكان والتوقيت، وكذلك الخطاب من حيث شدة إيحاءه ودلالة محتواه بعدما إستوقفتني تلك الأشياء جميعها ودفعت بي إلى التفكر وإعادة قراءة الموضوع من جديد.

ولعل إختيار ميدان التحرير بما يمثله من رمزية ثورية وما يحظى به من مكانة في قلب كل مصري؛ دليل على أن الثورة لم تنتهي طالما أن هناك كثير من الأهداف لم يتم تحقيقها بعد، حتى وإن أصبحت البلاد ضمنياً تحت قيادة رئيس منتخب – وأقول ضمنياً بإعتبار أن حكم العسكر لم يسقط بالفعل حتى هذه اللحظة -  وأعتقد أن هذا الإختيار كان مقصوداً

أتصور أن التوقيت بالإضافة إلى حلف اليمين في الميدان وسط كل هذا الزخم الثوري والجماهيري؛ لهو بمثابة نوع من التحدي والرفض للقرار السياسي بحل مجلس الشعب من قبل المجلس العسكري، ومواءمة ذكية من جانب الرئيس لتفادي الأزمة المصطنعة بحنكة سياسية كبيرة.

أما عن مضمون الكلمة ذاتها؛ فقد حملت الكثير من الرسائل التي لا يمكن إغفالها، حيث أنها جاءت بالأساس كرد فعل مناهض للإعلان الدستوري المكمل الذي أدى إلى تقويض صلاحيات الرئيس. بل إن شئت قل غيابها من هذا الإعلان نهائياً ووضع السلطة بكاملها في قبضة المشير وجنرالاته.

فحين يقول الرئيس أنني لن أتهاون في إنتزاع أى صلاحية من الصلاحيات بل أنني لا أملك ذلك؛ إنه لينذر بصدام وشيك وصراع محتدم على السلطة بينه وبين العسكري لا يعلم أحد تبعاته.

أنتقل إلى اللغة الجسدية التي شملها هذا المشهد الفريد من نوعه في الحقيقة؛ فعندما يقف الرئيس في ثبات ليفتح جاكيت بذلته بكل بساطة أمام الآلاف من الناس ويعلن عدم إرتداءه لقميص واقي من الرصاص ويتبع ذلك بإبعاده لأفراد الحرس الجمهوري المصطفين، لتتمكن الجماهير من التفاعل معه بحرية في سابقة لم نعهدها من قبل لحاكم من الحكام؛ ليوحي بثقة هذا الرجل في الله أولاً ثم في شعبه ثانياً، ورسالة قوية ومعبرة تثبت حب الحاكم وتقديره لأفراد الشعب الذين جاءوا به إلى السلطة بإرادتهم الحرة.

في النهاية أعتقد أن الدكتور مرسي قد نجح نجاحاً ساحقاً في توجيه رسائل واضحة للجميع. كما نجح أيضاً في إنتزاع تأييد الميدان وإكتساب تعاطف غالبية المصريين، والذي سوف يكون دعماً له في مواجهة ما يعترضه من تحديات داخلية وخارجية قادمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق