الأحد، يونيو 17، 2012

فادي صلاح يكتب : عن الحكم والمحاكمة

انتظرت كغيري من المصريين الحكم علي مبارك وأعوانه بفارغ الصبر, وبعد إنتهاء المحاكمة انتابني شعور غريب بعدم القدرة على الكلام أو على تفسير ما أسمعه و ما أراه من كلام. وارتأيت أن أنتظر بضعة ساعات, وأن أستمع إلى مختلف الآراء, قبل أن أكتب عن رؤيتي الشخصية للأمور, والتي تتلخص في النقاط التالية:

-         منذ البداية, لم يعجبني سير الجلسة, حيث أن الخطبة الرنانة التي ألقاها القاضي أحمد رفعت - والتي أثرت في كما أثرت في أي مصري – لا يجدر بها أن تخرج من قاضي يفصل في منازعة بين طرفين, و يتوجب عليه في أثناء هذا الفصل أن يكون محايداّ وألا يسعي للتأثير المعنوي والعاطفي على الناس. ولكن ماحدث هو أن رفعت تلك الخطبة من معنويات الجميع, وأعطتنا الأمل الذي يقترب من اليقين بأن الإعدام هو ما ينتظر المتهمين العشرة, ليتحطم الأمل بعد الخطبة بدقائق, فيبكي أحمد رفعت المصريين مرتين, الأولى فرحاّ, والثانية حسرة وربما ندماّ على فكرة المحاكمة المدنية بالأساس

-         وبالحديث عن فكرة المحاكمة المدنية, وبعيداّ عن أننا لم نختار أن تكون المحاكمة مدنية بالأساس, إلا أننا إرتضينا جميعاّ بأن تكون المحاكمة مدنية, وبناء عليه يجب أن نحترم نتيجة المحاكمة التي وافقنا عليها من البداية, حتى وإن كانت قاسية وغير مرضية, وحتى  إن كنا نعلم أنها أطلقت سراح كل من خرب و دمر في البلاد.

-         أما عن الحكم, فقد وجدته غريباّ في البداية, ولم أفهم سبب تبرئة مساعدي حبيب العادلي, في الوقت الذي حصل فيه هو علي حكم بالسجن المؤبد! ,,  انتظرت واستمعت وقرأت, وفي النهاية استطعت أن أفهم سبب هذا الحكم من الناحية القانونية, التي تستند إليها أي محاكمة مدنية.

فقد ذكر القاضي أحمد رفعت - بعد خطبته الرنانة – أنه لم يثبت أن رصاص الداخلية هو المستخدم في قتل المتظاهرين, وبناء على هذا التبرير, يصبح كل من مبارك وحبيب العادلي ومساعديه أبرياء بحكم غياب أو فرم أو إخفاء الأدلة علي تورطهم.
أما عن سبب الحكم على مبارك والعادلي, فقد كان حكماّ سياسياّ لرؤية القاضي أنهما مسئولان عن سفك دماء الأبرياء من الشعب بحكم مناصبهم التنفيذية كرئيس للدولة وكوزير للداخلية. إذن, فلم يكن الحكم نتيجة للأدلة, وبالتالي كان من الطبيعي أن يعاقب من هم علي رأس المسئولية, وأن يخلى سبيل من كانوا تحت قيادتهم لعدم وجود ما يثبت بالدليل القاطع تورطهم في الجرائم المتعددة التي نعلم جميعاّ أنهم قاموا بها.
-         بناء علي الحكم, أرى أننا طالما ارتضينا بالمحاكمة المدنية من البداية, فأنه يجب علينا الآن ألا نلوم إلا أنفسنا, فقد كنا نعلم أن هذا النظام قادر على إخفاء أدلة تورطه, و بالتالي هو قادر علي أن يخرج بريئاّ, في نظر القانون!

بعد الحكم, خرج علينا المرشح الإحتياطي محمد مرسي بكلمات رنانة جديدة, مفادها أنه سيعيد محاكمة جميع من حصلوا علي البراءة بأدلة جديدة تثبت تورطهم, وهو الأمر الذي دفع الكثيرين إلى الدعوة لإنتخابه, لأنه قادر علي تحقيق حكم الشعب, وعلى إعادة حقوق الشهداء التي باعها هو وجماعته طمعاّ في مصالحهم علي مدار العام ونصف المنصرمين.

وفي الحقيقة فإن كلمات مرسي تدل علي إحدي إحتمالين لا ثالث لهما:

الأول : أن يكون لدي مرسي أدلة جديدة لم تقدم للمحكمة, وحينها فإنني أعتبره خائناّ للوطن بأكمله, لتخاذله في تقديم تلك الأدلة التي كان من الممكن أن تغير شكل الحكم ليرضينا جميعاّ, وليشفي غليل أهالي الشهداء. ففي هذه الحالة, يكون مرسي مجرد شخص إنتهازي – وهو أمر لا يدعو للإستغراب – يساوم الشعب من أجل إنتخابه إذا ما أراد أن يحصل علي حقوقه

الثاني : أن يكون كلام مرسي مجرد دعاية إنتخابية, لحث الناس على انتخابه, ليخرج علينا بعدها بأن الأدلة لم تكن كافية أو بأن الوضع تغير, وهى تصرفات متوقعة وطبيعية من شخص تربى في جماعة الإخوان المسلمين التي لطالما نقضت العهود وباعت حقوق الشعب, وعلى الرغم من ذلك, فإن الشعب ما يزال يرى فيهم ممثلين له وللثورة, وما يزال ينتظر منهم خطوة فيها خير للجميع, وليس للجماعة.

في الختام – و تأكيداّ علي ما سبق – خرج علينا مسئولوا الجماعة, رافضين لفكرة المجلس الرئاسي المشترك, وداعين لإنتخاب مرسي, ضاربين بالمصلحة الوطنية والتوافق الشعبي عرض الحائط, و مغلبين مصالحهم الشخصية والحزبية على كل قيمة وطنية شريفة. ولذلك – وبعد تفكير طويل - أرى أنه من السذاجة أن ننتخب شخصاّ بهذه المواصفات ظناّ منا أنه سيعيد الحقوق, فهو إما خائن وإما كاذب.

وأنا لن أختار ما بين القاتل, وما بين الكاذب والخائن, لن تقوى يداي علي وضع علامة أمام اسم ساهم في قتل الأبرياء وسفك دمائهم, أو أمام آخر تغاضى عن تلك الدماء, وكان أول ما ناقشته جماعته في البرلمان هو "قانون تنظيم التظاهر", فلن تكتمل الثورة ولن يستقيم الوضع ولن تستقر الأحوال بهذا أو بذاك. و لذلك, فإن المقاطعة – رغم سلبيتها – هي خياري الأوحد.

هناك تعليق واحد:

  1. داليا منتصر20 يونيو 2012 6:21 ص

    الكلام المكتوب يااستاذ فادى بجد اكثر من رائع هو حقا كلام موزن ويسعى للمس الحقائق التى تغيب عنا

    ردحذف