الأربعاء، يونيو 27، 2012

محمود روبي يكتب : محكمة التاريخ


من يقرأ التاريخ ويتصفح أوراقه جيداً؛ يدرك ولأول وهلة أنه لا يتوانى أو يتجاهل مطلقاً تسطير وتسجيل ما يطرأ من حقائق تمثل لحظات فارقة في عمر الأمم عبر صفحاته الواسعة بعدل وإنصاف وموضوعية.

كما أنه من المعلوم أن كتابة التاريخ ترتبط إرتباطاً وثيقاً بأنظمة الحكم وسياساتها في البلاد وما يقع خلالها من أحداث، سواء كانت هذه الأحداث سوداء قاتمة، أو كانت بيضاء ناصعة.

وإنطلاقاً من هذا؛ أحول نظري قليلاً الآن عبر بؤرة الذاكرة لحظات صوب أكاديمية الشرطة حيث محاكمة القرن، والتي ضمت رأس النظام السابق بكامل أركانه وأودعتهم خلف القضبان في سابقة لم تحدث في تاريخ الدولة المصرية عبر عصورها السحيقة.

وبغض النظر عن المقولة الشائعة التي لطالما صدّعوا بها رؤسنا وهى: "لا تعليق على أحكام القضاء" فهذه الجملة في تقديري تحتاج إلى كثير من المناقشة هذه المرة بالذات؛ فالقضية قضية وطن سُرقت ثرواته، وسُلبت حريته، وقتل الكثير من أبناءه دفاعاً عن الحرية والكرامة. وفي هذا السياق أرى أن الأحكام الصادرة جاءت هزيلة ومحبطة للغاية، ولم تعبر في الأساس عن واقع الأحداث، كما أنها وضعت هذه المؤسسة العريقة في مأزق صعب أمام شعب ثائر يتوق إلى تطبيق القصاص على قتلة شبابه

أعي جيدا أن القضاء عيناه معصوبتان، ولا يرى أو يؤمن إلا بالأوراق والأدلة والبراهين. ولكن فقه الثورة إستثنائياً يقتضي الفتك بالأعراف والقوانين التقليدية الباهتة السائرة في قنوات روتينية ضحلة لا تحقق العدالة الكاملة. وغير ذلك، ألم يرى الجميع بل العالم كله حالات القمع والقتل الجماعي للثوار في ميدان التحرير وميادين مصر المختلفة على أيدي قوات الأمن عبر الشاشات على الهواء مباشرةً؟ الحقيقة أن الأمر واضح وضوح الشمس في كبد السماء ولا يحتاج إلى دليل أو برهان لإثباته.

وقد تقودنا هذه النتيجة إلى طرح هذا السؤال: هل أخطأت الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير حين اتخذت القانون العادي مسلكاً لها لتحقيق أهدافها ومحاسبة من أجرم بحق الشعب؟

فبالرغم من أننا كثيراً ما تغنينا بقانونية المحاكمة وصبغتها المدنية؛ إلا أنني أعتقد إعتقاداً جازماً بأننا قد إرتكبنا خطأً إستراتيجياً فادحاً عندما سلكنا هذا المسلك. وما دعاني إلى الجزم بهذا الإعتقاد هو سيل البراءات التي حصل عليها كثير من أفراد الشرطة المتورطين وعلى رأسهم جنرالات وزارة الداخلية مساعدوا العادلي الستة بحجة نقص الأدلة. وكأن القانون العادي عجز عن إثبات تلك التهم الواضحة على هؤلاء. ولعلنا قد خُدعنا كالعادة ووقعنا في فخ المؤامرة الداخلية والخارجية على حقوق الشهداء إزاء إكذوبة إسترداد الأموال المهربة في الخارج في حال كانت المحاكمات قانونية عادلة. وأصبحنا الأن أمام واقع مؤلم؛ فلا قصاص ولا أموال!

ودعنا نصارح أنفسنا؛ الحقيقة أننا عجزنا عن الأخذ بالثأر لدم الشهداء أصحاب الفضل في إنتزاع حرية الشعب وكرامته التي فُقدت عبر عقود ممتدة من القهر والحرمان. وهذا يرجع إلى إنصراف النخب عقب رحيل المخلوع عن التوحد من أجل تحقيق أهداف الثورة، وتفرغ الكثيرون فقط  للنظر إلى المصالح الشخصية والصراعات السياسية، وانغمسوا جميعاً في سوق المناصب الرائج الآن حتى انتهز القتلة بائعوا الوطن الفرصة ورتّبوا أوراقهم ونجحوا فى الهرب من العقاب الطبيعي.

ولكن ومع كل هذه النتائج المحزنة؛ أرى أن الشعب قد حكم عليهم بالفعل وأودى بهم إلى مزبلة التاريخ بكل ما بها من آثار الظلم والطغيان. إنهم وإن أفلتوا من تلك المحاكمة، فلن يفلتوا أبداً من محكمة التاريخ التي لن تغفر لهم خطاياهم. وستذكرهم الأجيال على مر العصور بمزيد من السخط والإحتقار عما أقترفوه من إثم بحق هذا الشعب العظيم ذات الثراء التاريخي المجيد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق