السبت، يونيو 23، 2012

سامح همام يكتب : الإعلان الدستوري المكمل


الإعلان الدستوري المكمل
(بين رئيس مدني واستمرار لحكم العسكر)


تشابكت خيوط اللعبة السياسية، وهدمت أمواج البحر ما بناه صبية الساحة السياسية المصرية على الشاطئ من قلاع رملية واهية استغرق بناؤها خمسة عشر شهراً، وأفاق الشارع المصري من مشهد سياسي يمثل مرحلة انتقالية معكوسة إلى مرحلة انتقالية جديدة ظهر فيها لأول مرة المارد العسكري بكل عنفوانه دون حاجة إلى مساحيق التجميل المتمثلة في الحلول الوسط، والرضوخ للرغبات الثورية ومراعاة نداءات الميادين والتشدق بالمصلحة العامة والزهد في السلطة والاستمرار في الحكم  بزعم تحقيق مصلحة الوطن العليا.

فقد استبقت المحكمة الدستورية الانتخابات الرئاسية وأصدرت حكمها بشأن عدم دستورية بعض مواد قانون الانتخابات لمجلس الشعب مما رتب قانونيا حل ثلث أعضاء مجلس الشعب، ورتب سياسياً حل المجلس بكامله ومحاصرته بالدبابات لمنع أعضاؤه من محاولة دخوله مرة أخرى كما قضت نفس المحكمة بعدم دستورية التعديلات الواردة من مجلس الشعب حول قانون مباشرة الحقوق السياسية أو ما اصطلح على تسميته قانون العزل السياسي هذا وبصرف النظر عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبت من القوى الثورية ونخبتها نجوم الفضائيات المتميزون أو الإخوان المسلمين والرغبة في الاستئثار بالسلطة وإبعاد القوى الأخرى فإن المرحلة الحالية لا يمكن الفصل فيها بين ماهو قانوني وما هو سياسي.

هذا المشهد الغائم المتشابك قد أغرى المجلس العسكري لإصدار إعلان دستوري مكمل للإعلان الصادر بتاريخ 30 مارس 2011 أصبحت بمقتضاه خطوات الفترة الانتقالية الجديدة أكثر انتظاما ومنطقية ولكن وفقا لقواعد صارمة، وتحت رعاية كاملة للمجلس العسكري وبالنظر إلى الإعلان الدستوري المكمل نجد أن مواده قد تمحورت حول أربعة اتجاهات رئيسية:

أولاً: حلف اليمين الدستورية لرئيس الجمهورية  

أعطى الإعلان الدستوري الحق للجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا في أن يحلف الرئيس المنتخب اليمين الدستورية أمامها، وذلك في حالة أن يكون مجلس الشعب منحلا لأي سبب من الأسباب هذا ويذكر أن من أهم مبررات المجلس العسكري سابقاً في تقديم انتخاب مجلس الشعب على انتخابات رئيس الجمهورية هو أن يجد الرئيس المنتخب جهة يحلف أمامها اليمين الدستورية ؟

ثانياً: اضافة سلطات جديدة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مواجهة الرئيس المنتخب وذلك على النحو التالي:

1.     إطلاق يد المجلس الأعلى في شئون الجيش الخاصة بتعيين القادة ومد خدمتهم فضلاً عن الشئون الاقتصادية للجيش.
2.     منح رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة جميع السلطات المقررة في اللوائح والقوانين للقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع وذلك لحين إقرار الدستور الجديد.
3.     اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على قرار رئيس الجمهورية بإعلان الحرب وذلك على خلاف الآراء التي ناقشت في الشهور الماضية فكرة لجنة الأمن القومي التي تعاون الرئيس في اتخاذ تلك القرارات حيث يصبح المجلس الأعلى جزء من القرار وليس صاحبه بلا منازع.
4.     اشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على طلب الرئيس لتدخل القوات المسلحة عند حدوث اضطرابات في البلاد تستدعي تدخلها، ويبدو الأمر مستساغاً في ظل الطرح القاضي برغبة القوات المسلحة في عدم إقحام نفسها في صراعات قد تمثل خطراً على استقرار البلاد، وسلامة شعبه وتبدو على عكس ذلك إذا ما نظرنا إلى انه  قد يصبح ذريعة لتقليص صلاحيات الرئيس ووضعه في موقف ضعيف حيال قضايا سياسية معينة قد تقتضي تدخل الجيش ويرفض المجلس الأعلى ذلك رغبه في إسقاطه أو إضعافه.
ثالثاً: التشريع

وهو بند رقم 1 من البنود التي نظمتها المادة 56 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011  والذي يشمل 10 بنود  قد تذهب منها الـ9 بنود الباقية للرئيس المنتخب، ويظل التشريع وحده من سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى انتخاب مجلس شعب جديد وهذا وفقا للترتيبات الجديدة لن يحدث إلا بعد صدور الدستور الجديد وعمل الاستفتاء الشعبي عليه، ومن الواضح هنا أن الرئيس المنتخب مضطراً عند الحاجة لتمرير قانون اللجوء للمجلس العسكري (المختص بالتشريع)  بدلاً من اللجوء إلى مجلس الشعب ولفترة  قد تطول.

رابعاً: اللجنة التأسيسية للدستور

وهي المعركة الحقيقية بل هي المعركة الأهم التي يخوضها المجلس العسكري في طريقه إلى تدجين الرئيس المنتخب، والاتجاه بالدولة نحو نموذج مقبول للمؤسسة العسكرية والقوى السياسية التي تمثل خصما من شعبية جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية وفي سبيل ذلك اتخذ المجلس العسكري عدداً من الخطوات للتعامل مع اللجنة التأسيسية وهى

1.     الاتجاه إلى تشكيل جمعية تأسيسية جديدة (إذا قام مانع يحول دون استكمالها لعملها) وهذا الأمر تحصيل حاصل نظراً لوجود قضايا بهذا الشأن أمام القضاء الإداري، ووجود نفس سبب الحكم السابق بحل الجمعية التأسيسية بالجمعية الجديدة وهو ما يفتح الباب مجددا لتدخلات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في اختيار لجنة قد تمثل ظاهريا جميع أطياف المجتمع وترضي شكليا القوى السياسية المتناحرة دون أن تحقق مصلحة محددة لأى من الأطراف.
2.     وضع قيود جديدة على القرارات الصادرة من الجمعية التأسيسية حيث أصبح من حق المجلس الأعلى ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وخمس عدد الجمعية التأسيسية الاعتراض على أي نص من نصوص الدستور، وإعادته للجنة لمناقشته بل واللجوء إلى حكم المحكمة الدستورية العليا في حال استمرار الخلاف عليه ليكون لها الحكم الفصل في استمرار النص أو إلغاؤه وبذلك أضيفت قيود جديدة على عمل اللجنة تمثلت في:
-         قدرة أفراد من خارج اللجنة التأثير على أعمالها وتوجيهها والحد من سلطة اتخاذ القرار بها.
-         رفع نسبة الموافقة المطلوبة لتمرير نص معين من 67% (وقد تنخفض في حالة عدم التوافق لتصل إلى 57%)  إلى 81 % .
-         وجود ثلاث جهات تنفيذية يمكنها التأثير على قرارات اللجنة (رئيس الجمهورية – المجلس الأعلى للقوات المسلحة – رئيس الوزراء) وكان من الأولى لو انه ليس هناك بد من وضع قيود أن يكتفي بجهة تنفيذية متمثلة في رئيس الجمهورية وأخرى قضائية متمثلة في المحكمة الدستورية العليا وكذا نسبة من أعضاء اللجنة (نسبة الخمس المذكورة في الإعلان الدستوري).
-         جعل المحكمة الدستورية العليا رقيب يسبق الاختيار الشعبي من خلال الاستفتاء على الدستور.
ومن خلال النقاط السابقة يمكن القول أن المشهد السياسي المرتبك والقوى السياسية اللاهثة والمتناحرة والأيديولوجيات المتضاربة المتناثرة في الفضاء السياسي المصري والمصالح الشخصية التي لا يتم التسامي عنها قد مهدت الطريق لإتخاذ المجلس العسكري خطوات كانت مرتبة ومبنية على تلك التضاربات والتي بدأت بمنح الضبطية القضائية للشرطة العسكرية والمخابرات الحربية، ومرت بالإعلان الدستوري المكمل، وانتهت إلى تعيين رئيس ديوان رئيس الجمهورية قبل إعلان نتيجة الانتخابات والبقية تأتي.


هناك تعليق واحد: