الاثنين، يونيو 18، 2012

هبه درويش تكتب:الصندوق وحده لا يكفى

منذ اعلان نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في مصر, والتي أسفرت عن الإعادة بين كلاً من الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء الأسبق وأحد رموز النظام السابق وبين الدكتور محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة, اشتعلت نيران الحرب الكلامية بين كلاً المرشحين, حيث أعتمدت هذه الحرب على محورين أساسيين أولهما تبادل الإتهامات والإدلاء بتصريحات نارية تقلل من شأن الآخر وترسم صورة مشوهة للمرشح ونواياه والإشارة لنقاط ضعفه واستخدام انتمائه السياسي أو ماضيه المهني كفزاعة لإرهاب الناخبين, المحور الثاني هو الظهور بصورة المنقذ الذي جاء ليعبر بمصر وشعبها إلى بر الأمان من خلال وعود براقة يعلم جيدا انها غاية المواطن وأمله بالحياة, فالأزمات في مصر لم تعد بحاجة إلى دراسة أو تفسير وإنما الأزمة تتحدث عن نفسها.

من هذا المنطلق أخذ الفريق أحمد شفيق يؤكد بقوة على عودة الأمن إلى الشارع المصري, وكذلك دفع عجلة التنمية إلى الأمام والحديث عن البورصة وجذب المستثمرين, باختصار نفس دعائم النظام السابق التي كان يتكئ عليها مستغلاً فى ذلك جموع المصريين المتعطشين للأمان والاستقرار, بل وراح يتلون بكل المرجعيات والأيدلوجيات الموجودة على الساحة, فتارة يقول أنا صوفي, وتارة يصف نفسه  بليبرالية التفكير, أما قلبه فيتبع السلفية!! وعن الأخوان فهو صاحب فضل عليهم, فكانوا أول من فكر فيهم بعد الثورة وحررهم من سجون أمن الدولة!

كل هذا كان من الممكن أن يمر مرور الكرام ولن تجد أى عجب إذا أرجعت الأمر برمته إلى قواعد اللعبة التنافسية, والتي على أساسها ينبغي على المرشح أن يظهر بصفته الرجل المناسب للمكان المناسب, ولكن حينما يتطرق الحديث إلى أقباط مصر بصفتهم الورقة الرابحة لدى الفريق شفيق, ستجد أن سيادة الفريق لم يتهاون في كسب ثقتهم وبذل كل نفيس حتى يحصل على أصواتهم, بالطبع هم كتلة تصويتية لا يستهان بها, ولكن هل يكون سبيله لتحقيق ذلك هو اضافة أجزاء من الإنجيل إلى منهج اللغة العربية او ازالة آيات القرآن؟؟

في واقع الأمر انا في حيرة بالغة, من أين ابدأ حديثي؟ .. هل من المذيع الذي استغل الموقف ليعرض على مرشح الرئاسة أزمة ابنه مع منهج اللغة العربية التي تحتوي على آيات قرآنية صعبة جداً على حد وصفه؟ .. وكأن المناهج التعليمية خلت من كل الصعوبات والعراقيل ليصبح منهج اللغة العربية هو العقبة في مستقبل ابنه .. وبالطبع السبب في ذلك هى آيات القرآن! أم المرشح الرئاسي الذي لا يخجل من ماضيه أبدا, بل يؤكد في كل لقاء ومؤتمر أنه مؤمن بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية وأنه يحمل على عاتقه عبئ استرداد حقوق المصريين, واذا به يقرر من تلقاء نفسه تعديلات بمنهج اللغة العربية دون أى استشارة من متخصص أو خبير, وفي ذلك تخطى الفريق شفيق جميع أفراد المؤسسة التعليمية, بداية من وزارة التربية والتعليم ولجنة التعليم بمجلس الشعب وخبراء التعليم وأساتذة الجامعات والموجهين والمدرسين حتى الطلبة, وفي هذا عبث , فمن أعطاه حق التصرف في أمر ليس من تخصصه؟

فالصندوق وحده لا يكفي لتحقيق الديموقراطية, فما بالي شاركت في اختيار رئيسي, ولم أشارك في اختيار مصيري؟.

بالطبع العبرة هنا هى أن منهج الفريق لا يقوم على المشاركة في اتخاذ القرارات, وهو لا يؤمن بدولة المؤسسسات على الاطلاق, وفي هذا الأمر أذكركم بموقفين احداهما لفتاة أصيبت بسرطان المخ وكانت بحاجة للعلاج في الخارج, وظلت الفتاة تتألم حتى تدخل المخلوع وقرر سفرها على نفقة الدولة, والأخرى أيضا لفتاة لم يتم تصحيح ورقة الإجابة الخاصة بها لأنها كتبت موضوع تعبير تتهم فيه النظام بالفساد, حتى تدخل المخلوع وأقر بتصحيح ورقتها.

وبناءاً عليه تعتمد دولة شفيق على منهج أحادية القرار, بحيث تصبح مصائرنا بأيدي رأس النظام, هو وحده من يعين ويقيل ويحذف ويضيف, ولا عجب في ذلك فالخلفية العسكرية تتحكم في النهاية, وادعاء المدنية يمثل له ظاهرة خارجية ستنتهي بمجرد انتهاء ضرورتها.

على الجانب الآخر يثبت لنا هذا الموقف أن البعض ينظر إلى آيات القرآن الكريم بمنهج اللغة العربية إلى كونه اضطهاداً للأقباط ودليلاً على العنصرية وسيطرة الغالبية, وفي هذا خلط للأمور لأن التعامل مع دراسة القرآن بمنهج اللغة العربية يكون على أساس تعليمي,  بإعتباره نموذجاً للبلاغة وقواعد اللغة العربية, ومن البديهي أن القرآن أبلغ نموذج يعيننا على تعلم اللغة, على النقيض لا يعد الانجيل في هذه الحالة نموذجاً مثالي لكونه نص مترجم, فلا يمكن تدريس الاستعارة والجناس والطباق والتشبيه من خلال نص مترجم.

بعيداً عن اختيار الناخبين وكلمة الصندوق, فأياً كان من سيأتي رئيساً لمصر عليه أن يعرف دوره جيداً ولا يتخطى حدود سلطته, طبقاً لما يحدده القانون والدستور, وأن يعى أن أحادية القرار أمر غير مقبول, وألا يقف في طريق السلطة التشريعية المنتخبة, وعليه أن يأخذ بالمشورة دائماً, فإن كانت متطلبات الشعب المصري موحدة تحت شعار "عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية", فإن هناك أموراً تفصيلية تتعلق بكل مؤسسة على حدة, وأبناءها هم من يستطيعون التعبير عن مشاكلهم وطرح الحلول,  لكى تكتمل اركان الدولة وتتحقق سبل التقدم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق