الخميس، يونيو 14، 2012

سامح همام يكتب : قراءة في نتائج الإعادة للانتخابات الرئاسية


يعتري المصريين شعور بالقلق عند توجههم للإدلاء بأصواتهم يومي 16 و17 القادمين نظرا لعدم الرضاء الكامل عن أى من المرشحين، ورغبة نسبة غير ضئيلة في أن تكون هناك سيناريوهات أخرى تحكم العملية السياسية في مصر دون الاضطرار إلى اختيار بديل غير مرضي رغبة في إزاحة البديل الآخر.

لكن الإتجاه إلى سيناريو بديل بمنأى عن الصندوق خلال هذه الفترة العصيبة قد يبدو ترفا لا يمكن الوصول إليه ومن هنا تصب السطور القادمة في محاولة لفهم وتحليل نتائج التصويت في انتخابات الإعادة للمصريين بالخارج، والتي انتهت عملية فرزها واتضحت اتجاهاتها وفي البداية فإنني أحب التأكيد على أن اتجاهات التصويت بالخارج لا تعكس بالضرورة اتجاهات التصويت داخل مصر فهى لا تعتبر عينة منضبطة يمكن القياس عليها والتعويل على نتائجها ,, فعلى سبيل المثال فقد حصل الفريق شفيق على المركز السادس في تصويت المصريين في الخارج في الجولة الأولى للإنتخابات بينما حصل على المركز الثاني وبفارق بسيط بعد الحصر الكلي لأصوات الخارج والداخل.

هذه المقدمة قد تنفي وجود علاقة قوية بين نتائج الانتخابات داخليا وخارجيا ولكنها لا تخلو من دلالات يمكن رصدها على النحو التالي:

أولاً: حصل الفريق شفيق على ما يقرب من 7 أضعاف عدد الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى في حين حصل الدكتور محمد مرسي على ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها مسبقا  وهذا قد يدل على أن الفريق شفيق من خلال تحركاته بعد الإنتخابات بالجولة الأولى قد استطاع اجتذاب مناصرين جدد من شرائح مختلفة أكثر من منافسه بينما يمكن النظر إجمالا إلى أن النسبة قد تكون مضللة نظرا لحصول شفيق بعد تضاعف نصيبه على عدد لا يزال ضعيفا بالمقارنة بالمرشح المنافس.

ثانيا: بالنظر إلى جغرافية التصويت نجد أن تركز التأييد للدكتور محمد مرسي يكمن في المصريين المتواجدين بالدول العربية الخليجية بينما تتقارب نسب التصويت في الدول الأوروبية ويتفوق الفريق شفيق في عدد منها وهذا شئنا أم أبينا ليس تصويتا لصالح مرشح الثورة في مقابل مرشح النظام السابق وإنما تصويت على أساس ديني وفقا لتصور الناس  لبرنامج ونهج جماعة الإخوان المسلمين والمفارقة هنا أيضا أن بعض الدول التي حصد فيها شفيق أصوات أعلى من الأصوات التي حصل عليها منافسه صوتت أيضا على أساس ديني

وهذا ماحدث في أستراليا مثلا حيث تتزايد هناك الجالية القبطية والتي يثار مؤخرا أن شفيق هو مرشحها في مقابل مرشح الإخوان المسلمين هذا فضلا عن عدم ثقة متجذر بين أوساط عريضة بالدول الغربية تجاه الإخوان المسلمين والممارسات التي يمكن أن تحدث بعد انفراد حزب الحرية والعدالة بالسلطة متمثلة في أجنحتها التشريعية والتنفيذية فضلا عن منصب رئيس الجمهورية

ثالثا: يتضح من اتجاهات التصويت في جولة الإعادة أن تأييد مرشحي الرئاسة الخاسرين لأحد المرشحين ليس هو العامل الأكثر تأثيرا في اتجاه الناخبين نحو هذا المرشح أو ذاك نظرا لأن الكتل التصويتة التي حصل عليها أى منهم لم تكن كتل تنظيمية بقدر ما هي كتل عاطفية وقتية قد تتحول بسهولة لأحد البديلين أو كتل رافضة للبدائل الأخرى تتجه في معظمها للمقاطعة.


ومن القراءة السابقة للتصويت الخارجي في انتخابات الإعادة يمكن رصد عدد من المحددات المشتركة التي توجه أصوات الناخبين في الانتخابات القادمة.

أولها: أن هناك كتل تصويتية سوف تنتخب الفريق شفيق ليس إيمانا ببرنامج الفريق بقدر ماهي خوفا من الإخوان المسلمين وقد تتمثل هذه الكتل في الأقباط وأصحاب المصالح في الجهاز الإداري للدولة والعسكريين السابقين والنساء ,, والعكس صحيح حيث تتجه كتل تصويتية للإخوان المسلمين خوفا من الممارسات المنتظرة للفريق شفيق بعد الانتخابات وتتمثل في عدد من التيارات الفاعلة في الثورة والشباب العاملين بالمجتمع المدني وأنصار المرشح السابق عبد المنعم أبوالفتوح والذي أعلن دعمه للدكتور مرسي رغبة في إسقاط الفريق شفيق.

ثانيها: سوف يتجه عدد ليس بالقليل إلى مقاطعة الانتخابات وفقا لنظرية عدم وجود فرق بين المرشحين يمكن الاختيار من خلاله انطلاقا من إعلان عدد من الشخصيات السياسية والعامة المقاطعة وعدم الإحساس بتغيير حقيقي في ممارسات مجلس الشعب.

ثالثها: هناك عدد من المتناقضات التي تضيف نوعا من الضبابية على توجهات الناخبين من حيث الإستناد إلى نفس المعايير لتدعيم كلا المرشحين وذلك على النحو التالي.

-         فكرة الاستقرار: من يدعم فكرة الاستقرار قد ينتخب شفيق إيمانا بقدرته على إعادة الأمن، وبسط سلطة القانون وإنعاش الإقتصاد المتهالك وفقا لرؤية تنظيمية وخبرة سابقة في نفس الوقت من  ينتخب الدكتور مرسي يؤمن بضرورة العمل في فريق إخواني متناغم وبرنامج واضح ويتقي الاضطرابات التي من الممكن حدوثها حال فوز الفريق شفيق.

-     فكرة إنقاذ الثورة: من ينتخب شفيق قد يعتقد أن سيطرة الإخوان على كل السلطات تقويض للثورة وتدعيم لديكتاتورية جديدة ومن ينتخب الإخوان يرى أن مجرد التفكير في شفيق خيانة للثورة وأن الإخوان فصيل أساسي من الفصائل التي ناضلت من أجل نجاحها وأنها الضمانة الوحيدة - في ظل اختيار قسري- على استمرار الثورة ولو بشكل جزئي.

-         فكرة حقوق الأقليات والمرأة: من ينتخب شفيق قد يرى أنه السبيل الوحيد للوصول إلى حقوق متساوية للأقباط والمرأة خاصة بعد التوجهات الأخيرة لشفيق والوعود البراقة التي أطلقها في مؤتمراته الإنتخابية بينما من ينتخب الإخوان يستند إلى أن خطاب الإخوان ومرشحهم قد أكد على حقوق تلك الفئات ودورها الفاعل والمهم استنادا إلى مرجعيات قديمة لتعامل القائمين على حكم الدولة الإسلامية مع الأقباط والمرأة عبر العصور الإسلامية المختلفة.
  

ومن خلال ما تم استعراضه في السطور السابقة يتضح جليا أن التنبؤ بما ستئول إليه الإنتخابات الرئاسية يبدو ضربا من ضروب الخيال، هذا بالرغم من أن التحليل السابق قد استند إلى عدد من المحددات الطبيعية وفقا للآليات الديمقراطية المفترض حدوثها مع تجنيب المحاولات التي قد تطول التأثير على إرادة الناخبين والتي عادة ما تستخدم في عدد كبير من الديمقراطيات التي تخوض أولى تجاربها، والتي لاتخرج عن الضغوط الإعلامية واستخدام المال لشراء الأصوات والوعود الانتخابية الكاذبة فضلا عن إمكانية وجود مرشح مفضل لدى القائمين على الحكم لإنهاء حلقات سلسلة السلطة بحلقة جديدة متشابهة ومتناغمة مع سابقاتها وتكرس لاستمرار الوضع دون تغيير أو على الأقل عدم المساس بامتيازات الماضي في ظل حكم جديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق