الاثنين، يونيو 04، 2012

فاطمة عبد الحميد تكتب: الوطن يفسد من صغاره


الوطن يفسد من صغاره!!!!

الرئيس الجديد الذي سيحكم مصر بدءً من 1 يوليو القادم عليه مسئوليات جسام ليس آخرها مسئولية استتاب الأمن وتوفير أسباب العيش الكريم لكل مواطن على أرض مصر، وإنهاء مسرحية المحاكمات الهزلية لرموز النظام السابق التي أصبحت موضع سخرية كل مصري، وتحديد شكل علاقاتنا المستقبلية مع الأصدقاء والأعداء باعتبارنا قد دخلنا مرحلة جديدة من تاريخنا لا يجوز فيها إطلاقاً أن تبقي كل الأوضاع على ما هي عليه، فلم تعد مصر القديمة مثل مصر الجديدة التي تولد الآن بعد مخاض عسير للغاية!

ولكن أهم نقطة وأهم شيء يجب أن يوجه الرئيس الجديد اهتمامه إليه هي النهوض بالتعليم.

قديماً قالوا : إن السمكة تفسد من رأسها ولكن الحقيقة إن الأمم لا تفسد إلا من صغارها  فصغارنا وأبناؤنا في كل مراحل التعليم وخارجه هم سبب كل آلام ومتاعب الوطن وسبب أغلب، إن لم يكن كل، نكباته والذنب في ذلك ليس ذنبهم إطلاقاً بل هو ذنب نظام تعليمي فاسد وفاشل وجائر حتى النخاع!

قد يرى الإنسان الذي يقف على الشاطئ ولم تغص قدماه في وحل التعليم المصري في هذا الكلام تحاملاً وتجنياً فجاً على نظام التعليم في مصر وتحميله فوق ما يجوز تحميله له من مسئوليات وأخطاء.

ولكن الواقع غير ذلك تماماً  فالعاملين بالمجال التعليمي  يعلمون صدق هذه المقولة وأنها عين الحق.

خفايا النظام التعليمي في مصر ليست خافية على أحد حيث أن الجميع يعلمها بدءً من أولياء أمور التلاميذ مروراً بالمدرسين والقائمين على وزارة التربية والتعليم، وحتى الطلاب والطالبات في مختلف مراحل التعليم يدركون جيداً خفايا ومساوئ هذا النظام التعليمي الذي يتمتع بنسبة غير مسبوقة من الغباء.

القاعدة الأولي التي يقوم عليها النظام التعليمي المصري هي قاعدة (حفظ المعرفة)، هذا في الوقت الذي تقوم فيه الفلسفات التعليمية في الدول المتحضرة على قاعدة (تعلم البحث عن المعرفة).

فلم يعد المطلوب من التلميذ أن يعرف عدد الدول في قارة أفريقيا، بقدر ما صار من الضروري أن يعرف كيف يجد هذه المعلومة إذا كان في حاجة إليها.

وهذه هي قاعدة التربية التقدمية التي أبتدعها الفيلسوف والمربي الأمريكي الشهير "جون ديوي".

إذن فمن الخطأ أن يتخرج طالب من قسم التاريخ وهو يحفظ تواريخ وأسماء وأعمال الشخصيات التاريخية الشهيرة بينما يعجز عن معرفة أسماء أهم المراجع التاريخية وأشهرها!

فكم دارس للتاريخ في مصر يعرف كتاب ومرجع شديد الأهمية مثل (النجوم الزاهرة في تاريخ مصر والقاهرة) أو يعرف اسم مؤلفه "ابن تغري بردي" أو حتى وقعت عينه عليه إلا بالصدفة البحتة!

وتكون النتيجة طالب خريج قد يكون حاصلاً على أعلي الدرجات والتقديرات في مجال تخصصه لكنه، من ناحية أخري، يكون مستواه العلمي أقل حتى من بعض الهواة والقراء غير المتخصصين!

فالتفجر المعرفي العصري لم يعد يعترف بمن يحفظ المعلومة بل بمن يعرف كيف يبحث عن المعلومة ويجدها ويستخدمها!

والخطأ الثاني الذي يقع فيه نظامنا التعليمي هو عدم مراعاة السن العقلي والقدرات العمرية لكل مرحلة عمرية عند وضع المناهج المقررة على الصفوف الدراسية التي تمثلها. وبالتالي تجد مناهج الصف الثالث الإعدادي التي تقدم لطالب في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره لا تناسب إلا مستويات عمرية لا تقل عن الثامنة أو التاسعة عشرة!

بل تجد أن واضعي المناهج بلغت بهم القحة والبجاحة حد أخذ أجزاء من المناهج الجامعية وتعديلها تعديلاً بسيطاً وتقريرها على طلاب المرحلة الإعدادية!!

هذا إذا تغاضينا عن الحشو الزائد للغاية وامتلاء المناهج والمقررات بالقشور والتكرارات والرغي الممل!

كيف يمكن لمناهج مثل هذه أن تخلق شباباً قادراً على مواجهة التفجر المعلوماتي وانسياب المعرفة الهائل في العصر الحديث؟!

كيف يمكن أن يتخرج طالب ويحصل على دبلوم المدارس الثانوية الفنية أو التجارية وهو لا يجيد القراءة والكتابة؟!

كيف يجوز لنا ونحن نشمر عن أذرعنا ونستعد لبناء مصر الجديدة القوية الفتية وظاهرة الغش متفشية في مدارسنا حتى انقلبت الآية فأصبح السماح بالغش دليلاً على طيبة القلب وحسن الخلق!

بل أصبحت القرى المصرية تشهد ظاهرة غريبة فجة تظهر بوضوح أيام امتحانات الشهادات وهي ظاهرة الهدايا التي يقدمها أهالي الطلاب للممتحنين في صورة طعام وشراب أو حتى بسكويت وعصير وطبعاً الهدف من ذلك أن يُظهر الممتحنين طيب معدنهم ويسمحوا للأهالي بإدخال أوراق الأسئلة المحلولة لأولادهم!

بل إن الغش في القرى يكاد يكون له مافيا لا تقل خطورة عن مافيا السلاح أو المخدرات وتتكون في أغلبها من المدرسين من أبناء القرية ذاتها الذين يعتبرون السماح بالغش خدمة لأولاد قريتهم ونوعاً من المجاملة!

وطبعاً النتيجة ظاهرة لأعين الجميع،  طلاب لا يعلمون غالباً أي شيء ويتخرجون من المدارس الفنية فاقدين لكل المهارات العلمية والفنية وحتى مهارات القراءة والكتابة في أدني صورها ولا يصلحون لسوق العمل ولا يجدون مكاناً يقبلهم سوي المقاهي وسايبرات الإنترنت !

فيا رئيس مصر القادم  إذا أردت أن تنهض بمصر فأنهض بتعليم مصر...  إذا أردت أن تخدم مصر فأخدمها في أعز ما لها, أولادها وفلذات أكبادها  وساعدهم على أن يتعلموا تعليماً حقيقياً يصنع منهم رجال المستقبل وقادته المنتظرين ... إذا أردت أن تبدأ بشيء فأبدأ بإصلاح التعليم من جذوره وإلا فأبشرك بأن جهودك كلها لن يكون لها أي مردود وستذهب أدراج الرياح!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق