الجمعة، يونيو 01، 2012

محمود روبي يكتب : شرعية الرئيس القادم


ربما كان عدم وجود قائد أو رمز تلتف حوله الجماهير؛ أحد أبرز ملامح ثورة الخامس والعشرين من يناير. تلك الثورة التي إندلعت بتلقائية شديدة دون إستناد إلى إعداد أو تخطيط مُسبق يضمن إستمرارها على النحو الذي يحقق كامل الأهداف الحقيقية المشروعة التي قامت من أجلها

ولعل هذا الملمح قد ظهر أثره بوضوح عقب رحيل مبارك مباشرةً؛ حيث رأينا كيف أدت الخلافات والصراعات إلى تقسيمنا فرقاً وجماعات في صورة أحزاب وحركات سياسية متناحرة فيما بينها. يريد بعضها تحقيق مصالح وتصفية حسابات، والبعض الآخر يطمح في إعتلاء الكرسي وتوزيع المناصب، وتأرجح الباقون بين أولئك وهؤلاء.

أما المواطن البسيط بعد أن أنهكته ظروفه الإقتصادية الطاحنة، وروّعتهُ ويلات الإنفلات الأمني المفتعل؛ وقف يراقب ما يجري بصمت، لكنه الصمت الحذر الغير مأمون إطلاقاً. فهو لا يجيد ألاعيب السياسة القذرة وما يحبوها من صفقات وتربيطات، وقفز على المبادئ والقيم تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة، أو كما يقولون "اللي تغلبًه"!

ودون الخوض في تفاصيل أو سرد لما جرى خلال الفترة الإنتقالية من خطايا وإخفاقات، وبروز لعلامات إستفهام كثيرة من حين لآخر؛ فهذا ليس هاماً الآن بعد أن وصلنا إلى مسألة إختيار رئيس للجمهورية بإرادة حرة خالصة دون وصاية للمرة الأولى منذ عقود كثيرة.

وجرت الإنتخابات الرئاسية للأسف بحضور قوي لبقايا النظام السابق نتيجة لظروف معينة لست بصدد الإشارة إليها الآن. ومرت الجولة الأولى بعد أن حدث بها ما حدث من أخطاء وتجاوزات لتفرز لنا - بلا أدنى منطقية - خصمي الماضي التقليديين ليخوضا معاً جولة الحسم القادمة. وكأن الثورة قامت لتضع النظام السابق من جديد في مواجهة الإخوان المسلمين للصراع من أجل البقاء والوصول إلى السلطة لبسط النفوذ باسم الثورة.

وبالرغم من ذلك؛ أرى أنه لا طائل من إقحام أنفسنا في جدال مفرغ حول صحة فروض نظرية وضع الحزب الوطني المنحل في سلة واحدة مع جماعة الإخوان المسلمين. إذ أن الأمر أكبر من هذا بكثير، خاصة ونحن نتحدث عن مستقبل دولة بحجم وثقل وتاريخ مصر، والتي قامت بثورة أدهشت العالم بسلميتها وتحضرها الفريد.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بعد أن عرفنا بشكل قاطع طرفي المباراة النهائية؛ هل أتت النتائج بمن يحظى بالشرعية الثورية وتأييد الميدان، أم جاءت بمحترفي اللعبة الإنتخابية القادرين على حشد الأصوات بشتى الوسائل؟ وما أكثرها عندهم، وكل منهم على طريقته الخاصة!

الحقيقة الثابتة أمامنا الآن رغم مرارتها؛ لا تتيح لنا إلا أن نقبل بما أعلنه رئيس اللجنة العليا للإنتخابات من نتائج، وثنائه الجم على سلامة العملية الإنتخابية، ونسلم بما ساقه من مبررات بشأن الطعون المقدمة من بعض المرشحين.

وفي هذا السياق تبرز لنا قضية بالغة الخطورة، تتعلق بنزاهة أي عملية إنتخابية؛ والتي تكمن في طيّات هذا السؤال: هل تبدأ نزاهة الإنتخابات من صناديق الإقتراع مروراً بعمليات الفرز وحتى إعلان النتيجة؛ أم يُفترض أن تبدأ قبل ذلك بالتزامن مع تجول حملات المرشحين للدعاية وإستجداء تعاطف أفراد الشعب؟

أعتقد أن كلا المعسكرين قد راهن بشكل رئيسي على عاملي الجهل والفقر المنتشرين في ربوع مصر على نطاق واسع. هذا بالإضافة إلى اللعب بإحترافية على أوتارعاطفة المصريين من البسطاء والمحتاجين؛ لنيل ولاء وتأييد أكبر كم منهم بهدف خدمة مشاريعهم وطموحاتهم السياسية. والحقيقة أنهما قد نجحا في الإستفادة القصوى من تلك العوامل بالإستخدام المفرط للمال السياسي والرشوة الإنتخابية.

وهذه النتيجة بغض النظر عما ستسفر عنه جولة الإعادة؛ تؤكد حقيقة إستمرار إنحدار مسار الثورة في إتجاه العودة بنا إلى ما قبل الخامس والعشرين من يناير. وربما يقع الجميع ثانية ما بين مطرقة الإستقطاب الديني وسندان التسلط العسكري. ولكن هذه المرة بثوب جديد تحت عنوان إفتراضي رائع يسمى الديمقراطية.

هناك 3 تعليقات: