الخميس، مايو 31، 2012

شلومو أفنيري يكتب: هرتزل والثورة المصرية



هرتزل والثورة المصرية

بقلم : شلومو أفنيري
صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بتاريخ 30/ 01/ 2012
ترجمة عن العبرية: محمد عبد الدايم

للإطلاع على المقال باللغة العبرية:

بعد عام من سقوط نظام الرئيس المصري "حسني مبارك"؛ من المهم أن نذكر أنه في إطار المسعى السياسي لنبي الدولة "بنيامين زئيف هرتزل" بدا أنه يشعر بكل ما يجري في المجتمعات العربية بشكل حساس، فبعد أن يأس من الوصول إلى اتفاق مع السلطان العثماني بشأن إقامة تجمع يهودي في أرض فلسطين، تخيلَ للحظة إمكانية إقامة تجمع استيطاني كهذا في العريش شمال سيناء، والتي سمّاها "فلسطين المصرية".

كانت مكانة مصر على الصعيد الدولي حينها متميزة من نوعها، فرغم وجود حكم ذاتي مصري برئاسة الخديوي - نائب الملك- من سلالة "محمد علي"؛ فإن السيطرة الفعلية على مصر كانت في يد البريطانيين.

تم إرسال وفد استطلاعي صهيوني لبحث إمكانية إقامة تجمع استيطاني زراعي في منطقة العريش، وفي مارس عام 1903 توجه "هرتزل" بنفسه إلى مصر، والتقى الحاكم البريطاني ووزير الخارجية المصري "بطرس غالي" (جد "بطرس بطرس غالي") الذي لقى مصرعه بعدها بسبع سنوات على يد حرفي مصري وقد أصبح حينها رئيسا للوزراء، ولكن هذه الخطة لم تُنَفّذ، فقد اتضح عدم إمكانية إقامة مجتمع زراعي في سيناء بسبب نقص المياه، إضافة لمعارضة الجانبين المصري والبريطاني للخطة.

كلما كان يزور مصر؛ كان "هرتزل" يتجول في منطقة الأهرامات، لكنه لم يتطرق في مذكراته للإنطباع الذي تركته هذه الجولات عليه، غير أنه أشار تحديدا إلى صدمته من فقر الفلاحين المدقع الذين شاهدهم في الطريق إلى الجيزة، وتعهد برعايتهم بفكر ليبرالي أوربي معاصر قائلا:"أتعهد بالاهتمام بالفلاحين قدر ما أستطيع، حين تكون القوة في يدي"، وواضح بالطبع أنه لم يقصد الفلاحين المصريين، وإنما الفلاحين اليهود في فلسطين.

لكن الجزء الأكثر أهمية في كتاباته عن مصر يتضح في تقرير حول خبير بريطاني تناول مسألة الرى في منطقة ما بين النهرين، لم يُعجب "هرتزل" بالمحاضرة، عكس الجمهور الذي أُعجِب بها، خاصة العدد الكبير من الشباب المصري الذكي الذي احتشد في القاعة.

من خلال إدراكه أن بريطانيا تعيق مصر عمليا؛ أضاف "هرتزل" بلغة وعظية ما قاله "كارل ماركس" عن النتائج المثيرة للجدل للسيطرة البريطانية على الهند: "هؤلاء سادة المستقبل (يقصد مواطني الهند الفلاحين)؛ أندهش لكون البريطانيين لا يدركون هذا، يعتقدون أن علاقاتهم مع الفلاحين ستدوم للأبد، اليوم يُجندون 18 ألف جندي من أجل هذه البلد الكبيرة، ولكن إلى متى؟...
"كانت مهمة البريطانيين ضخمة، حيث يُطهرون المشرق، يجلبون النور والهواء إلى الزوايا القذرة، يُدمرون الاستبداد العتيق، ويُقوِضون تشوهات الحكم. لكن مع بزوغ الحرية والتقدم يُعلِّمون الفلاحين في المدرسة الإنجليزية بالمستوطنة ماهية الثورة، وكيفية التمرد، كي يحطمون الحكم الإنجليزي الاستعماري، كنت أرغب في العودة إلى هنا بعد خمسين عاما كي أرى كيف سيحدث هذا الأمر".

في رؤية جيدة لصحفي أوروبي، استطاع قليل من أبناء جيله من الساسة والمؤرخين أن يتعاطوا معه؛ يتساءل: كيف خلقت الإمبريالية الأوربية بيديها الظروف الاجتماعية والأيديولوجية التي تؤدي إلى هزيمتها وتدميرها.
بعد أن كتب "هرتزل" هذه الكلمات بنحو خمسين عاما، في 23 يوليو عام 1952 أجهزت ثورة الضباط الأحرار بقيادة "محمد نجيب" و"جمال عبد الناصر" على بقايا الاستعمار البريطاني في مصر.

هناك تعليق واحد: