الخميس، مايو 17، 2012

جدعون ليفي يكتب : كراهية مصر


كراهية مصر
بقلم: جدعون ليفي
منشور في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بتاريخ 28/ 08/ 2011

ترجمه من العبرية: محمد عبد الدايم
باحث بجامعة المنصورة


علم إسرائيل الذي أنزله شاب مصري من نافذة سفارة إسرائيل في القاهرة كان  كالحاً ورثاً، يرفرف أعلى المبنى رمادياً بالياً، كان من الصعب تمييزه من الشارع بالعين المجردة، منذ أن عُلّق هناك مرت الكثير من المياه العكرة فى النهر.

من يعتقد أن الكراهية المتفجرة الآن ضد إسرائيل هي قضاء وقدر، مصير أو قوى طبيعة؛ من الأفضل أن يتذكر سنوات السلام الأولى، في سنوات الثمانينيات المبهجة، توافد عشرات الآلاف من الإسرائيليين على مصر، وتلقوا ترحيباً حاراً وسعادة واضحة. وكان من دواعي السرور أن تكون إسرائيليا فى القاهرة، بل أحياناً من دواعي الشرف العظيم.

الجماهير التي تتظاهر الآن ضد إسرائيل هي نفسها التي استقبلت الإسرائيليين بالترحيب، وحقيقة أن هذا لم يكن كذلك دائماً، كان يجب أن يثير التفكير في إسرائيل، ولكن كالعادة التساؤلات لماذا لم تُطرح هنا للنقاش. لماذا يوجد إرهاب هكذا، ولماذا توجد كراهية هكذا؟ من السهل للغاية التفكير فى أن المصريين يكرهوننا وهذا كل شيء، وبالتالي نعفي أنفسنا من المسؤولية.

السلام مع مصر يعتبر ثميناً عندما يكون فقط في خطر، كان سلاماً احتالت عليه إسرائيل ونقضته من بدايته، تعهدت بالإعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومنحه الحكم الذاتي خلال خمس سنوات، كما أدارت مفاوضات سخيفة برئاسة وزير داخليتها بغرض التمييع، ولم تف مطلقاً بالتزاماتها، أيضا غزو لبنان، غداة الإنتهاء من الإتفاق، كان استفزازاً وقحاً وخطيراً. مصر وقفت لذلك، في مواجهة الصعاب، من يسأل لماذا يكرهنا المصريون؛ من الأفضل له أن يتذكر هذين الحدثين المعروفين، اللذين قامت بهما إسرائيل.

قد تكون ذاكرة الجمهور قصيرة، ولكن ليست الكراهية، فهى سارية منذ ذلك الحين، من يريد أن يفهم لماذا يكرهوننا في مصر؛ من الأفضل أن يتذكر مشاهد الرصاص المصبوب ومشاهد السور الواقي، التفجيرات فى لبنان والقصف في رفح، لقد شاهد الجمهور العربي صوراً قاسية، وتزايدت كراهيته، ولهذه الكراهية أهمية حاسمة مع قدوم الربيع العربي.

لقد تغيرت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط الجديد: اتفاقيات السلام ، ووقف إطلاق النار الذي حافظ عليه بسخط طواغيت مصر وسوريا والأردن، الذين لا يمكنهم الحفاظ على أنظمة ديمقراطية، أو نصف ديمقراطية، الآن تتحدث الشعوب، ولن تعاني من سلوكيات عنيفة  أو استعمارية تجاه العرب، وسيضطر قادتها للتفكير في ذلك.

الإحتلال الإسرائيلي وردود أفعال القوة المفرطة تحت اختبار الشعوب، وليس فقط اختبار حكامهم، وفي ذلك جانب إيجابي من شأنه كبح جماح إسرائيل، لكن على المدى البعيد لن يكون ذلك كافياً لمنع القوات ووقف إطلاق النار، كان الأمر مرهقاً لتكرار ذلك، لكن الأمور الآن لها تأثير شديد، لم يعد لإسرائيل خيار للعيش سوى بالسيف، فالمخاطر التي تتحرك في الواقع الجديد، وتُحاك أمام أعيننا في ذهول، لن تقدر عليها قوة عسكرية وحدها على مر السنين، حتى أنه لم يعد ممكنا التحصن بقلعة مصفحة ومسلحة كما كنا، لن تستطيع القيادة العربية الجديدة تجاهل مشاعر شعوبها، التي لن تقبل بإسرائيل محتلة وعنيفة في الشارع، ليس فقط الرصاص المصبوب أصبح مستحيلاً تقريباً، بل استمرار الإحتلال نفسه يهدد وجود إسرائيل، وكلما استمر، تزداد المقاومة لوجودها.

ليس من الصعب تخيل الأمور في صورة مختلفة، يكفي أن نتذكر سنوات السلام الأولى مع مصر، أوسنوات أوسلو الأولى، حتى أدرك العرب أيضاً هذا الخداع. ليس من الصعب تصور اتفاقيات السلام، التي كانت ستؤدي إلى نهاية الإحتلال والإستجابة لمبادرة السلام العربية، السبيل الوحيد هو خلق إسرائيل جديدة في نظر العالم العربي الجديد، إذا حدث ذلك فقط يمكننا العودة إلى سوق خان الخليلي، عندما كنا مقبولين هناك، من الأفضل ألا نقول أكثر من ذلك عن البديل، فهو ليس واردا لدى إسرائيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق