الأحد، مايو 13، 2012

محمود روبي يكتب : مأزق الرئيس القادم في الجمهورية الثانية


مأزق الرئيس القادم في الجمهورية الثانية
بقلم/ محمود روبي

من المعلوم أن صلاحيات رئيس الجمهورية بشكل عام يحددها دستور البلاد المُعد سلفاً والمتفق عليه بين كافة أطياف المجتمع، والمنصوص عليها في أحد مواده. وحينها تصبح هذه الوثيقة بمثابة عقد مبرم بين الحاكم والمحكومين ويلتزم كلا الطرفين بما يتضمنه من حقوق وواجبات.

وبتطبيق هذه القاعدة الدستورية العامة على الحالة المصرية الراهنة؛ سنجد أن مصر بلا دستور. وبالتالي ليس هناك مهام واضحة ومحددة يتقيد بها الرئيس القادم. أما التعويل على الإعلان الدستوري وما يحتوي عليه من مواد لم يُستفتى الشعب على غالبيتها؛ فذلك يفتح الطريق أمام تدخل المجلس العسكري في الدستور الجديد حتى بعد إختفائه من المشهد السياسي.

وهذا بالطبع يدعونا إلى التفكر في طبيعة نظام الحكم ومرجعية الدولة. وإلى الآن لم تظهر أمامنا إرهاصات تتيح لنا التكهن بماهية السياج الذي سوف يحيط بمؤسسة الحكم، وعما إذا كان سيصبح نظامها رئاسياً أم برلمانياً أم خليطاً ما بين هذين النظامين، وما هى المرجعية، ومن سيحدد ذلك أصلاً؟!

ولعلنا قد ارتكبنا بالفعل خطأً جسيماً في الماضي القريب – دون أن نشعر - إما لعدم وضوح الرؤية أو لسوء تقدير الموقف أنذاك؛ عندما وافقنا على التعديلات الدستورية التي جرت في إستفتاء التاسع عشر من مارس العام الماضي، والذي خلف وراءه ما نحن فيه الآن من معضلات سياسية معقدة والتي تلقي بظلالها على الإنتخابات الرئاسية المزمع إجراءها يوم الثالث والعشرين من الشهر الجاري؛ إن لم يطرأ شيئ أخر.

وبلا أى مواربة أو إلتفاف حول الحقيقة؛ فإن الجدل الدائر في الشارع السياسي والصراعات المحتدمة بين مختلف القوى الوطنية بشأن إعداد الدستور؛ يرجع بالأساس في تقديري إلى الإختلاف حول المادة المتعلقة بصلاحيات الرئيس، والمادة المنظمة لترشيحه، وكذلك المرتبطة بمدنية الدولة. وبإستثناء ذلك فلا خلاف تقريباً على باقي المواد الأخرى.

فقد عانى الشعب كثيراً طيلة العقود الماضية لعدم وضع سقف لتلك الصلاحيات و تعيين مدة زمنية للبقاء في هذا المنصب الخطير في دستور 1971 والذي جعل من الحاكم متحكماً. وأعتقد أنه قد أصبح غير وارداً القبول بوجود هذا العبث بعد أن سقط مبارك.

وأخشى أن يذهب الرجل الجديد إلى القصر قبل أن يعرف ما ينوط به من مسئوليات وما يخوله له الدستور من صلاحيات. فيما يعد – حال حدوثه - سابقة بل سقطة سياسية تاريخية تؤكد إستمرار تغيير المسار الطبيعي للثورة، وتشويه لعملية التحول الديمقراطي الذى هو الهدف الأسمى لكل المصريين.

الواقع أننا نعيش حالة ولادة متعثرة؛ نتيجة ما يحيط بالمشهد من شكوك وصلت إلى حد التشكيك في نوايا من يتصدرون المسرح من تيارات الإسلام السياسي، وغياب الثقة في وعود وتصرفات المجلس العسكري وما يدلي به من تصريحات متواصلة، رغم أنها تؤكد على ضرورة تسليم السلطة في موعدها المحدد؛ إلا أن حالات الترقب والقلق ما زالت تسيطر على الموقف بشدة.

ومن ناحية أخرى؛ أتصور أن الحديث المتواتر من داخل أروقة النخب السياسية الذي يشير إلى إمكانية إنجاز الدستور بالتوازي مع إنتخابات الرئاسة؛ قد يؤدى هذا الطرح المتسرع المبني على الخوف من تمديد الفترة الإنتقالية إلى مخاطر متعددة كسلق بعض المواد المحورية نتيجة التشتيت بين الأمرين، والتنازع من أجل حصد بعض المكاسب من قبل أطراف ومؤسسات معلومة أوغير معلومة.

وإنطلاقاً من هذه النقطة؛ أستطيع القول بأن إفشال الجمعية التأسيسية المكلفة من مجلس الشعب بصياغة الدستور؛ كان على ما يبدو وسيلة مقصودة لإرجاء الأمر برمته إلى ما بعد إنتخاب الرئيس لتحقيق أهداف معينة ربما من بينها حل البرلمان إذا إعتلى كرسي الرئاسة أحد الأفراد الغير محسوبين على التيارات الإسلامية، والذي قد يعيد الإسلاميين إلى سابق عدهم أيام النظام السابق.

إذا لم يعد هناك جدوى حقيقية للرهان على الشارع من جانب الإخوان لحشد أصوات الناخبين كالعادة، بعد أن خفت بريقهم إلى حد ما نتيجة التراجع عن إلتزاماتهم، خاصة فيما يتصل بمسألة الترشح للرئاسة والظهور أمام الرأي العام بمظهر الدكتاتور الجديد الطامع في الإستحواذ على كافة مؤسسات الدولة.

وبناءًا على ذلك فإن الناخبون سيذهبون إلى صناديق الإقتراع لإختيار رئيس مجهول الصلاحيات حتى هذه اللحظة في أول إنتخابات رئاسية فعلية في تاريخ مصر الحديث. ومحصلة هذا الوضع المضطرب سيكون تكرار خطأ التصويت لصالح الإستفتاء السابق؛ وقد نعيد البكاء على اللبن المسكوب مرة أخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق