الاثنين، مايو 07، 2012

قارب النجاة



لاشك أن أية حلول لأزمات مصر السياسية والإقتصادية والإجتماعية الحالية ستكون حلول وقتية مؤقتة مثل البرشامة المسكنة ولن يدوم أثرها إلا لأقل وقت، والسبب أن أزمات مصر الحالية المتعددة لها جذور عميقة متشعبة، جذور قديمة متعفنة مليئة بالسوس والديدان والآفات وبذور المرض الكامنة

مصر تحتاج لنجدة عاجلة وإسعاف سريع، ولكنها تحتاج - وبشكل أكثر إلحاحاً - لعلاج طويل متأني واع لجذور أزماتها ومشاكلها الضاربة في عمق التربة المصرية، فنحن في مصر نعاني من مشكلات حادة لن نجانب الحق إذا قلنا أن المسئول الأول عنها هو التعليم والثقافة في مصر،

فإننا إذا أمعنا النظر بصدق وحيادية في مشكلات مصر الحالية سنجد لها أسباب مباشرة وواضحة في نظام تعليمنا الفاشل بكل المقاييس

 الكم وليس الكيف

أول شيء يعاني منه نظامنا التعليمي وتسبب له الفشل الذريع هو مبدأ (التركيز على الكم) ، فواضعوا المناهج يركزون على كم المناهج، وعدد الدروس، وكمية المعلومات المضمنة في هذه الدروس، وتكون النتيجة منهج مكدس مليء بالمعلومات، قيمها وتافهها، غارق في تفصيلات عديدة بعضها ليست له أية قيمة ولا أهمية للطالب، فهل يعقل مثلاً أن طالب الصف الثالث الإعدادي مطالب بمعرفة كميات القمح التي تنتجها كل من كوستاريكا والبرازيل وجواتيمالا بينما نصف طلاب الفصل على الأقل لا يستطيعون هجاء أسماء هذه الدول بشكل صحيح؟!

وهل يصدق أحد أن الطلاب في الصف الثاني الإعدادي يدرسون مقرر مكون من 18 درساً في فصل دراسي واحد بعضها لا يقل كمية المعلومات التي يحملها عن ثلاثين معلومة دفعة واحدة؟!

وماذا يكون تصرف المعلم المثقل بالأعمال الإدارية السخيفة، والطالب المثقل بحمل ثقيل من المواد الدراسية الكبيرة والمتشعبة إزاء هذه المناهج المكدسة؟!

طبعاً سيكون التصرف الوحيد، خاصة مع ضيق الوقت المتاح لكل مقرر دراسي، هو التدريس بالجملة والتعجيل بالخلاص من المنهج!

ففي الحقيقة إنك لا تسمع طالب مصري يقول لك لقد فهمنا المنهج، بل سيقول لك ببساطة (خلصنا) .. نعم .. فالخلاص من المنهج أصبح هو الهدف الرئيسي والنعمة الكبرى التي يتطلع إليها كل طالب وكل مدرس في مصر!

طبعاً هذه المناهج كانت مخططة بدقة وموضوعة خصيصاً في ظل نظام ديكتاتوري فاشل لتحقيق هدف معين، هدف واضح وجلي للجميع, وهو جعل الطلاب يكرهون التعليم ويبتعدون عن مناهل الثقافة، وتبغيض العلم والمعرفة إلى أنفسهم، فلا توجد طريقة لجعلك تكره شيئاً وتبتعد عنه أنجح من إعطائك جرعة ضخمة للغاية من هذا الشيء نفسه، بشكل يجعلك تمله وتكرهه، وهذا نفس ما فعله جنود "مبارك" الأوفياء في نظام التعليم في مصر إما عن قصد ونية مبيتة أو عن غباء محض وطيبة زائدة، وهكذا اتخمت المناهج والمقررات بالغث والسمين، والغث أكثر طبعاً، وتربي أبناءنا على أن الكم وليس الكيف هو مقياس الحكم على الأمور، تربوا ونشئوا على ذلك وترسبت تلك الفكرة المهلكة في وعيهم، وكانت النتيجة مآسي لمصر بعد ذلك، فأصبح المقياس المؤكد عندهم هو الكم ، فالرجل يقاس بحجمه طولاً وضخامة، وإذا لم يكن بحجمه فبشكله، فالمطرب أو الراقص الوسيم يصبح هو النجم وهو القدوة وهو السوبر ستار، بينما العالم والأديب والرسام والفنان الحقيقي ينال الإهمال والتحقير وغير قليل من السخرية والإزدارء!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق