الخميس، مايو 03، 2012

سامي حرك يكتب: هل تغيرت لغة "مصر"؟


في انتظار مجموعة من الأصدقاء القادمين من دمياط, ثغر الأمل والهمة, كنا في "زهرة البستان", حيث وجه الينا صديقنا الفنان "خالد حمزة", سؤالاً وصفه بالخطير جدًا:

"لماذا تغيرت لغة مصر بدخول العرب بينما لم تتغير لغة إيران؟"

فقد دخل العرب "ايران" و"مصر", تقريبا في نفس الوقت, وانتشر الإسلام فيهما وأصبح ديانة غالبية السكان, فلماذا حافظ الفرس الإيرانيون على لغتهم القومية, بينما ضاعت لغة الأقباط المصريون, لدرجة أن نحتاج لمرور مئات السنين حتى يأتي شامبليون الفرنسي ليترجم لنا لغتنا من الكتابة الهيروغليفية؟ وهل السبب يتعلق بالمكان أم  بالسكان؟

أجاب "طلعت رضوان":
السبب يتعلق بنخبة السكان في كل من البلدين, وبالتحديد المتعلمين, في مصر وايران, حيث قاد متعلمو فارس, جيلا بعد جيل, شعبهم للصمود في المحافظة على الروح القومية من خلال الحفاظ على الأسماء واللغة, وهي من أهم عناصر الثقافة القومية, بينما فرط متعلمو "مصر", جيلا بعد جيل, في ثقافتهم ولغتهم القومية!

اجابتي أشارت لسبب موضوعي, يتعلق باللغة نفسها, في كل من البلدين,, اذ في رأيي - لم تتغير لغة "ايران", ولا تغيرت لغة "مصر", إلا قليلا, وذلك في حدود التطور الطبيعي بفعل عوامل الزمن والإحتكاك الثقافي المتبادل بين الأمم والثقافات.

السبب الموضوعي المتعلق باللغة, بدأ من الزمن الهكسوسي, حيث تسربت عشائرهم البدائية واستوطنت شرق البلاد عشرات السنين, الى أن حكمت وسيطرت لمدة تقترب من مائة وخمسين سنة, إستعارت خلالها أساطير مصر, وانتحلت أديانها وألفاظ لغتها, ومنها بعض الأسماء الشخصية وأسماء الطيور والحيوانات والفاكهة والخضروات والصناعة والحرف والوظائف, ثم مع طردهم, وكان من ضمنهم العشائر العبرانية ومنها ما عرف فيما بعد بالقبائل العربية, أقاموا حضاراتهم على ما نقلوه من مصر, ثم مع رجوعهم إليها أعادوا تصدير الثقافة واللغة المصرية, بأشكال لاتختلف إلا قليلا, لذلك تقبل المصريون ما جاء به العرب, لأنها بعض بضاعتهم ردت إليهم!

كما أن تلك المناطق التي أتت منها لغة العرب, نطقاً وكتابة, سبق أن كانت ضمن مجال التأثير المصري , بل والسلطة المصرية المباشرة, منذ طارد القائد "أحمس ابن أبانا" فلول الهكسوس على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر, ثم خلال الإمبراطوريات المصرية المتعاقبة بداية من زمن "أمنحتب الأول", الذي وصل بحدود الدولة المصرية حيث الشلال الثالث في الجنوب, وحيث تمازغا في الغرب, وإلى شمال سوريا الحالية, كما أكمل حفيديه "تحتمس الأول" و"تحتمس الثالث" تكوين أول وأكبر امبراطورية في التاريخ,, أي ظل مجال كبير للتأثير الثقافي واللغوي المصري لمئات وألاف السنين, وهو تأثير يرصده الآن العلماء, حتى على لغة اليونان, كما فعل "مارتن برنال" في "أثينا السوداء".

لم يحدث للعرب مع شعوب الهند وايران, ذلك التأثير المباشر, ولا تلك الأحداث التاريخية السابقة على تاريخ تجاوزهم لحدود صحراء جزيرتهم, حيث لم يتواجد الوسيط الناقل للثقافة واللغة, فكان التصادم صارخًا بين ألفاظ اللغتين الفارسية والعربية, واضحًا فاصلاً, فإنتصر الفرس للغتهم القومية, بينما لم يحدث نفس الصدام في "مصر", إذ حالَ تشابه بعض الألفاظ والصوتيات, دون حدوث المواجهة الصريحة, وانحصرت الخصوصية لكل من العرب والمصريين في حدود قواعد اللغة, التي اختلفت وتمايزت في كل من اللغتين, بينما لم يترك ذلك الإختلاف أثرًا كبيرًا في الحياة اليومية للمصريين.

فكان المصري إذا قال عبارة من لغته القومية الخالصة:
انك رايح إسوك؟

فإنه يفهم العبارة باللغة العربية الفصيحة:
أأنت ذاهب الى السوق؟

ويقول المصري, قديما وحديثاً:
اديني شوية فول؟

وبالتالي يفهم ما قد يقوله العربي:
أدي إلىَّ شيئًا من الفول؟

ولو طلب المصري : حتة جبنة!, فبالتكرار سيفهم العربي وهو يطلب:
قطعة من الجبن!

كما أن مئات الألفاظ المشتركة بين اللغتين المصرية والعربية, لم يختلف فيها إلا ترتيب الحروف كـ "زوج" العربية الفصيحة, و"جوز" المصرية الخالصة, أو تغيير حرف واحد ليتبادلا أكواب مشروب "الليسون" المصري, بنطق "ينسون" العربية.

  انتصرت السلطة السياسية للغة العربية, في فترات كثيرة, كما هو الوضع الحالي, حيث هي اللغة الرسمية الوحيدة في الدستور, بينما لن يضير المسئولين المصريين أن يضيفوا اليها اللغة المصرية الحالية, بقواعدها وطريقة نطق ألفاظها التي تنتمي للغة المصرية, خاصة وأنها هي لغة الخطاب والحوار في المدرسة والمصنع, لغة الشارع والمسرح, وقد رأينا إنتشارها, لسهولتها وبساطتها وقبولها لسنن التطور, حين استخدمها الفن في الأغنية والفيلم, رغم أنها في تلك الوسائل تستخدم المكونين الأساسيين للغة المصرية, أي القواعد والألفاظ.

اذن أعتقد أن لغة "مصر" لم تتغير كثيرًا, تماماً كما لم تتغير لغة ايران, منذ دخلهما العرب.

حين نشرت ذلك السؤال على الفيس بوك, جاءتني ردود مؤيدة لما ذكرت, بينما أضاف آخرون, منهم "سونيا حليم" بأن تعريب الدواوين, ثم تحريم التعامل والكلام بالكتابة القبطية,, أعطى مساحة كبيرة لدخول المزيد من الألفاظ العربية إلى لغة الكلام المصرية.

كذلك رد "أحمد حازم" بتعليق هام, ذهب فيه إلى أن طريقة دخول العرب في كل من البلدين, أثرت في تمكين اللغة.

ربما تكون الحقيقة بين واحدة من هذه الإجابات, وقد تكون منها جميعًا, لكن تبقى حقيقة تشابه الكثير من ألفاظ اللغتين المصرية والعربية, كما تبقى حقيقة إستقلال اللغتين وتمايزهما عن بعضهما من حيث القواعد وبعض الصوتيات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق