السبت، أبريل 14، 2012

أحمد الشربيني يكتب : الصفقات والصراعات وفن تفتيت السلطة


أثناء تصفحي المعتاد للشبكات الإجتماعية جذب انتباهي رسم كاريكاتوري يصور منضدة تجمع شخصين، يمثل أحدهما الإخوان المسلمين بينما يمثل الآخر المجلس العسكري، و قد وجهّا المسدسات كل إلى وجه الآخر بينما تبادلت يداهما الأخرتين الأزهار من تحت المنضدة. لم يكن هذا الرسم أول ما وقعت عليه من تعبير عن نظرة قطاع كبير من ثوار مصر لعلاقة العسكر والإخوان حيث يعتقد الكثيرون أن الخلاف بينهم ليس سوى تمثيلية تخفي تحتها الوفاق والصفقات، ويظن آخرون أنه صراع حقيقي لكنه مؤقت ولن يدوم طويلاً حتى يعودوا في تجانس كما كانوا طوال الفترة الانتقالية.

و الحقيقة أنني أجد نفسي متعجباً من كلا الرؤيتين، هل يصدق الجميع أن النظام الذي حارب الإخوان ستين سنة منذ أيام عبد الناصر وحتى الآن، قد أصبح في وفاق معهم في ثمانية عشر يوماً؟ أم يظنون أن الإخوان الذين حملوا مشروعهم لثمانين سنة وحاربوا من أجله بينما طاردتهم الاعتقالات، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا المشروع، قد نبذوه فجأة لصالح سلطة يرضى بوهبهم إياها العسكر؟ هذا التحليل للوضع السياسي الحالي يتجاهل كل الجذور التاريخية لعلاقة الإخوان بالنظام السابق، الذي لا يزال قائماً للآن ممثلاً في المجلس العسكري، و يختزل علاقتهم في السنة الفائتة التي غلب عليها اتفاقهم معاً، لأجل مصالح مشتركة مؤقتة، و ليس لأن اتفاقهم هو الوضع الطبيعي.

لا أعتقد أنه يلزم الإنسان الكثير من الفطنة و قوة الملاحظة ليعرف أن مشروع الإخوان، وهو الأسلمة التدريجية للدولة، يتعارض بشدة مع قناعات العسكر القابعين في السلطة الآن، والذين يتمسكون بإستمرار العلاقة الحسنة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي خلقت من «الإسلام المتطرف» عدوها القومي الجديد، كما يتمسكون بمعاهدة السلام مع اسرائيل، ويتبع هذا الإلتزام بسياسات اقتصادية وعسكرية واجتماعية ترضي هذه الأطراف. فماهو المتوقع كنتيجة لمعادلة السلطة والثورة الحالية في ضوء هذا الاختلاف في المشاريع؟

العسكر هم من يحمل الجزء الأكبر من الكلمة الفصل عمن سيتولى السلطة، حيث تجري الإنتخابات تحت سيادتهم، وهم لن يقبلوا الكثير من التنازلات، مدفوعين بمصالحهم الاقتصادية وفلسفة الإستبداد التي تضعهم موضع المسئولية من شعب لا يرون فيه استطاعة تقرير مصيره وحده. في حال تمسك الإسلاميين بمشروعهم ستجد المؤسسة العسكرية طريقاً للإستمرار في السلطة بشكل مباشر أوغير مباشر، أوستتم إزالتها بالقوة.

الإخوان يستطيعون استلام الحكم من العسكر بشكل سلمي فقط في حال تنازلهم عن جزء كبير من مشروعهم لنيل رضا القوى الدولية التي يخدمها العسكر، وفي هذه الحالة ستنفصل النخبة الحاكمة عن جسد الإخوان المؤمن بمشروعه الغير باحث عن السلطة، وسيصبح لدينا شكل جديد للنظام القديم تجب استكمال الثورة عليه. هذه هي النتائج الممكنة للمعادلة التي تجمع العسكر و الإخوان في أطرافها، و هو صراع صريح له طرفان يبحث كل منهما عن الاستئثار بالسلطة وحده ،,, السؤال الحيوي هو : ما الموقف الذي يجب على الثوار أخذه من هذا الصراع؟

قد يرى أحدهم أن الفرق بين الإخوان والعسكر ليس كبيراً للدرجة التي تشجع على أخذ أي طرفي الصراع الدائر، أو الذي سيدور فيما بعد بينهما، وأنا أختلف مع هذا لأكثر من سبب. الأول هو أن الإخوان ممثلين شرعيين لمنتخبيهم، ولم يرفعوا في وجوهنا السلاح كما فعل المجلس العسكري الذي سقطت شرعيته بالقتل، بغض النظر عن الرأي العام في استمراره من عدمه. والسبب الثاني أن المجلس العسكري يرتبط ارتباطاً عضوياً بهيكل النظام السابق وجذوره، على عكس الإخوان الذين سيضعفون النظام في محاولاتهم الإصلاحية للتقدم تجاه مشروعهم السياسي، وأي إضعاف للنظام سيصب في مصلحة الثورة.

أي قوة أو حركة سياسية في العالم تعمل لصالح مشروعها الخاص، هذه بديهية لا جدال فيها. أما كون الإخوان قد تخلوا عن الطليعة الثورية ونبذوا أهداف الثورة التي لم تتحقق بعد حصولهم على جزء من السلطة فهذا يقع في إطار سوء التقدير السياسي الذي تسبب في غضب الشارع منهم ونبذه لهم في سجالهم الحالي مع السلطة، السجال الذي كان متوقعاً بحكم تباين مشروعيهم وكان عليهم أن يعدوا له بكسب أطراف تعينهم فيه وانحيازهم لأهداف هذه الأطراف، كخطوة سياسية تصب في مصلحتهم فيما بعد. أما وأنهم لم يفعلوا ذلك ,,، فهل يجب على الطليعة الثورية أن تنبذ الحرب الدائرة بين العسكر والإخوان من دون أن تتدخل باعتبارها معركة لا تخصها؟ ... لا أظن ذلك.

المعركة الأساسية للثورة هي معركة ضد نظام مبارك المستمر حتى اللحظة، وعندما بدأت تلك المعركة اصطففنا جميعاً وجهاً واحداً أمام النظام ونحينا خلافاتنا السياسية جانباً بشكل مؤقت، أما وقد نبذ الإخوان الثورة في منتصف الطريق فهذا لأن النظام وقتها نجح في احتوائهم رغبة منه في تفكيك القوى المضادة له. فإذا اصطدم النظام مجدداً بالإخوان فتخلينا عنهم كما تخلوا عنا كان ما أراد له العسكر الحدوث. أما إذا ساندناهم، ولو كان في ذلك صعود لهم يليه نبذ لمطالب الثورة الاجتماعية والديمقراطية، و هذا ما أتوقعه مقدماً، ظل هذا مكسباً من حيث أنه تفتيت للسلطة عن طريق إضعاف هيكلها بتبديل الرأس الحاكم. صراعنا مع الإخوان مستمر في الشوارع والمؤسسات، ولكن لا يجب أن نضفي عليه من الأهمية ما يجعله يسبق المعركة الدائرة مع العسكر الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق