الخميس، أبريل 05، 2012

أحمد الشربيني يكتب : الديمقراطية جاءت بهتلر، و لكن


يبدو أن البيئة المصرية التي تراجع فيها العلم و التعليم، كان لها تأثير أكثر سلبية وأشد وقعاً من أثرها على المواطنين العاديين، وقد وجدت هذا التأثير في الطبقة المثقفة المصرية. يعتقد عدد كبير ممن نسميهم المثقفين في مصر أنهم يعيشون بمعزل عن المجتمع ومتغيراته، لا يتأثرون بالعوامل التي تؤثر فيه سواءاً كانت اقتصادية أوثقافية، ولا تمسهم من قريب أو بعيد صراعات المجتمع الطبقية، فيظنون أنهم طافون فوق كل ذلك بعلمهم، ينظرون إلى المجتمع من علو نظرة الإنسان المجرد من كل شيء إلا الحكم الموضوعي السليم.

فيبدو أن تلك البيئة، التي يندر فيها العلم، عندما قررت وهبه للبعض قد أنتجت لنا مجموعة من المتعلمين هم أشبه بمحدثي النعمة، الذين يشغل كثيرهم التباهي بهذا العلم بدلاً من أن يلعبوا دور المثقف الطبيعي، و هو فيما أرى ليس سوى عرض الرأي والحجج تأييداً له، وهذا لا يزيد عن دور أي شخص آخر، اللهم إلا أن المثقف إياه عادة ما تتيسر له سبل التواصل بعدد أكبر كثيراً من بقية الناس، وعادة ما يملك من المعرفة ما يجعله قادراً أن يعرض رأياً يفيد به غيره.

«الديمقراطية جاءت بهتلر»، يقولونها بإستنكار مدافعين عن مواقفهم المعادية في صلبها للديمقراطية إن أتت بما لا يعجبهم. و يرون أنه لكي لا تأتي الديمقراطية بهتلر مجدداً، يجب على الناس استشارتهم فيما يجوز وما لا يجوز لهم اختياره، فيطالبون بوضع مبادئ تقيد الدستور تارة، ووثيقة تمنع هذا وتسمح بذاك تارة. ولم أفهم حتى الآن لِمَ لم يخرج أحدهم فينجز القول ويطلب تسليمه السلطة المطلقة كي يدير البلاد بحكمته التي لم يشأ لنا القدر أن ننال منها مثلما نال. و لكن دعونا الآن نتحدث عن هتلر قليلاً.

ليست الديمقراطية وحدها من جاءت بهتلر. فهاهو واحد من أكبر المثقفين الألمان في ذلك العصر، وأحد أهم المفكرين في العصر الحديث لو لم يكن أهمهم على الإطلاق، يساهم بطريقته في تمجيد الزعيم النازي والإعداد لواحدة من أسود حقب التاريخ الإنساني. لابد أن حضراتكم، كونكم مثقفين، قد قرأتم نص المحاضرة سيئة السمعة التي ألقاها مارتن هيدجر في الثلاثينيات من القرن الماضي، محتفلاً ومبشراً بهتلر وإنجازاته، وعنونها «اتبعوا الفوهرر!».

يقول هيدجر في محاضرته: «واجبكم أن تأخذوا الوظائف وتنفذوا الأعمال، بأي طريقة يطلبها سيد الدولة الجديد»، ويقول في موضع آخر: « … بتحقيق هذا [التكامل بين العمل والعلم] نحن فقط نتبع رغبة الفوهرر المجيدة. أن تصبح واحداً من أتباعه الأولياء هو أن تعقد العزم، بشكل كامل وبدون أي انحراف عن المسار، على أن تتحقق الوحدة للشعب الألماني مجدداً، وأن يعثر على قيمته وقوته الحقيقيتين …. إلى الرجل صاحب هذا العزم غير المسبوق، أدولف هتلر، فلنحيّه معاً: يعيش الفوهرر

بالطبع تبدو لنا هذه العبارات اليوم صادمة، أولاً لأنها قيلت في مديح رجل نحن ندرك الآن أنه واحد من أسوأ من بُليت بهم الإنسانية في تاريخها، وثانياً لأنها تحمل في طياتها لهجة بها بعض الفاشية، تذيب الفرد في المجتمع أولاً ثم تختزل رغبة المجتمع في رغبة الفوهرر باعتباره ممثل هذا المجتمع وقائده واجب الاتّباع، و هذه كلها أفكار بالية قد دفنت مع الماضي الذي انتمت إليه.

فإن رأيت أنت، عزيزي المثقف، أن هذا خطأ تافه لا يمكن لك أن تقع في مثله، كان علي أن أطلب منك أولاً أن تحكي لنا ما قدمته للإنسانية مقارنة بمقترف هذا الخطأ التافه، الفيلسوف الألماني الكبير وأحد أبرز من ساهموا في تشكيل الفكر في العصر الحديث. جدير بالذكر أن هيدجر، في ذات المحاضرة، يتحدث عن المدرسين في الجامعة فيقول أنهم لا يختلفون عن العامل بيده، و أنهم سيشاركون طلابهم المعرفة ليس وهباً يأتي من أعلى إلى أسفل ولكن كعمل جماعي يتشارك فيه مجموعة من الرفقاء المتساوين.

لنأخذه درساً من هيدجر أن طبقة المثقفين في أي مجتمع لا تهبط عليه من السماء، ولا تنبتها التربة الإجتماعية لتتركها بعد ذلك تحلق منفصلة عن كل شيء واقعي، بل هي جزء أصيل من المجتمع تخطئ كما يخطئ ويصيبها ما يصيبه من أمراض. ويجب على النخب المثقفة في أي مجتمع أن تعي هذه الحقيقة، فيترتب على هذا الوعي أكثر من نتيجة.

أولاً يتوقف المثقف عن التنكر للمجتمع، و النظر لنفسه باعتباره شخص قد أفلت من براثن الجهل التي يغرق فيها الآخرون، بل على العكس من ذلك يرى أن لعبه لدور المثقف هو في النهاية قد انبثق عن نفس الأرضية التي أخرجت غيره من لاعبي أدوار العمال وسائقي سيارات الأجرة وربّات البيوت، كما قد شكل وعيهم نفس المناخ الفكري السائد، مع مراعاة فروق الشخصيات والمحيط الاجتماعي والمكاني. وثانياً يعيش المثقف بإعتباره شخصاً له حياته التي تتقاطع وحيوات الآخرين، فينزل إلى أرض الواقع كإنسان لديه قدر من المعرفة التي يسوق بها حياته كما يفعل أي شخص آخر، فيصيب كالآخرين ويخطئ كالآخرين، يحيا أفراحهم وانتكاساتهم ويتعلم منهم ومعهم. ليست المشكلة في قلة علم الناس بقدر ما هي في انتفاخ نفوسكم، فتواضعوا يرحمكم الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق